وإنما قلنا بفساد هذه الأقوال ؛ لأنه لا یحسن أن یؤمر إلا من کان عاقلاً ممیزاً یقدر على ما أمر به ویتمکن من فعله ، وجمیع ما ذکروه بخلافه ؛ لأن المعدوم لیس بحی ولا عاقل فلا یصح أمره ، ومن کان موجوداً لا یجوز أن یؤمر أن یکون قردة ؛ لأن المعانی التی تکون کذلک لیس في مقدوره ، وکذلک القول في الإمانة والإحیاء.
وتأویل قوله : (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قد بیّناه فيما مضى (١) .
وقال بعضهم : إنّه أمر للموجود في حال کونه ، لا قبله ولا بعده ، وإنّه مثل قوله : (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ) (٣) وَإِنْ دعاء الله إیاهم لا یتقدّم خروج القوم من قبورهم ، ولا یتأخر عنه (٣) .
وهذا فاسد ؛ لأن من شرط حسن الأمر أن یتقدّم المأمور به ، ، وکذلک القول في الدعاء ، فلا یَسْلُم ما قالوه .
وتأویل ما استشهدوا به على ما بیّناه في الآیة سواء في أنه إخبار عن تسهیل الفعل وسرعة وقوعه وإرادته ، لا أن یکون هناک دعاء على الحقیقة . ثم یلزم على جمیع ما ذکروه أن تکون الأشیاء مطیعة الله تعالى ؛ لأن الطاعة هي متابعة الأمر من الأشیاء التی قال لها : (كُونِي) (٤) بأن فعلت نفسها ، ویلزم أن یکون لها عقل وتمییز ، وکلّ ذلک فاسد .
فأما من استدل بهذه الآیة ونظائرها على أن کلام الله قدیم من حیث
____________________
(١) تقدّم في ٢ : ٣٩٩ ، فراجع .
(٢) سورة الروم . ٢٥ : ٣٠ .
(٣) یظهر أن هذا اختیار الطبری في تفسیره ٢ : ٤٦٩ ـ ٤٧٠ .
(٤) سورة الأنبیاء ٢١ : ٦٩ .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4647_Tebyan-Tafsir-Quran-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
