نحن تولّینا ذلک ، ولم نکله إلى أحدٍ من عبادنا . ومثله : رأیته بعینی ، بأذنی ، ولقیته بنفسی . والمعنى فی جمیع ذلک : التأکید ؛ ولأنه قد یأمر غیره بالکتابة، فتضاف إلیه مجازاً ، فلذلک یقول الأمی : کتبتُ إلى آل فلان بکذا ، وهذا کتابی إلیک، وکما تقول : حَمَلْتُ إلى بلد کذا ، وإِنما أمرت بحمله .
فأعلمنا الله تعالى أنهم یکتبونه بأیدیهم، ویقولون : هو من عند الله ، وقد علموا یقیناً إذا (١) کتبوه بأیدیهم أنه لیس من عند الله .
وفی الآیة دلالة على إبطال قول المجبرة؛ لأنه تعالى عابهم بهذا القول ، إذ نسبوا ما کتبوه من التحریف إلى أنّه من عند الله ، وجعل علیهم الویل. وإذا کان تحریفه من الکتاب ـ لیس من عند الله من جهة القول والحکم ـ فلیس ذلک منه من جهة القضاء والحکم ولا التقدیر (٢) والمشیئة (٣).
وقال ابن السراج : معنى (بِأَیْدِیهِمْ) ، أی : من تلقاء أنفسهم (٤).
وقوله : (لِیَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِیلاً) قال قوم: إنه عرض الدنیا ؛ لأنه قلیل المدة، کما قال تعالى : (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْیَا قَلِیلٌ) (٥) ذهب إلیه
____________________
(١) کذا فی النسخ ، ولعل الصحیح : إذ .
(٢) فی النسخة «خ» : القدر ، ولکل وجه .
(٣) ردّ على هذا القول جمع من الأعلام منهم : النصیر الطوسی فی تلخیص المحصل : ٣٢٩ ـ ٣٣٣ ، والقاضی عبدالجبار فی متشابه القرآن ١ : ٩٦ ت ٤٢ ، والفخر الرازی فی محصل أفکار المتقدمین والمتأخرین : ٢٨٣ ـ ٢٨٧ ، وغیرهم من الأعلام .
(٤) لم نجده فی مصنّفاته المتوفّرة ، ولعله فی کتابه احتجاج القراء ، قیل : إنه منشور فی إحدى أعداد مجلة کلیة الآداب العراقیة، وهی لیست فی متناول أیدینا ، راجع : دائرة المعارف الإسلامیة الکبرى ٣ : ٢٤٤ ـ ٢٤٥ .
(٥) سورة النساء ٤ : ٧٧ .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4647_Tebyan-Tafsir-Quran-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
