والتمنی في هذا الموضع : تخلّق الکَذِبِ وتخرّصه ، یقال منه : تمنیت ، إذا افتعلته وتخلّقته . ومنه ما روی عن بعض الصحابة إنّه قال : (ما تعنیت ولا تمنیت )(١) أی : ما تخرّصت الباطل ، ولا اختلقت الکذب والإفک .
ویقوی ذلک قوله في آخر الآیة: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا یَظُنُّونَ) فبین أنهم یتمنون ما یتمنون من الکَذِبِ ظَنّاً لا یقیناً .
ولو کان المعنى : أنّهم یَتْلُونَه لما کانوا ظانین ، وکذلک لو کانوا یتمنونه ؛ لأن الذی یَتْلُوه إذا تدبّره عَلِمَه ، ولا یقال فیمن یقرأ کتاباً لم یتدبره وترکه : : إنه ظان لما یتلوه إلا أن یکون شاکاً فیما یتلوه لا یدری أحق هو أم باطل ، ولم یکن القوم الذین عاصروا النبی صلىاللهعليهوآله من الیهود شاکین في التوراة أنها من عند الله .
وکذلک المتمنی لا یجوز أن یقال : هو ظان بتمنیه ؛ لأن التمنی من المتمنی إذا وجد لا یقال فیه : إنّه شاک فیما هو عالم به ؛ لأنه ینافی العلم . والمتمنّی في حال وجود تمنّیه لا یجوز أن یقال: هو یظنّ تمنیه .
وقوله : (وَإِنْ هُمْ إِلَّا یَظُنُّونَ) قال جمیع المفسرین : معناه
____________________
(١) ضبط القول هذا على الأصول الخطیة ـ وهو فیها بالمهملة ـ وأما المصادر فمختلفة ، ففی البعض بالعین المعجمة ، وفی أخرى بالمهملة ، وهکذا مصادر اللغة فلم یترجح لدینا شیء منها ، وعلى أی فهو منسوب العثمان ومن مصادره بن عفان الکثیرة : سنن ابن ماجة ١ : ١١٣ ت ٣١١ ، المعجم الکبیر ١ : ٨٥ ت ١٢٤ ، کنز العمال ١٣ : ٢٨ ، شرح نهج البلاغة للمعتزلی ٢ : ١٥٦ ، غریب القرآن لابن قتیبة : ٥٥ ، الغریبین للهرویّ ٦ : ١٧٨٢ ، لسان العرب ١٥ : ٢٩٥ ، النهایة فی غریب الحدیث والأثر ٤ : ٣٦٧ «منا» وغیرها کثیر ، وأنت أعلم بصحة الادعاء من کذبه .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4647_Tebyan-Tafsir-Quran-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
