وهذا أقوى التأویلین ؛ لأنه تعالى أخبر عنهم بأنهم یسمعون کلام الله ، والذین سمعوا کلام الله بلا واسطة هم الذین کانوا مع موسى ، فأما هؤلاء فإنما سمعوا ما یضاف إلى کلامه بضرب من العرف دون حقیقة الوضع .
ومن قال بهذا ، قال : هم الذین سمعوا کلام الله الذی أوحى به إلى موسی .
وقال قوم: هو التوراة التی علمها علماء الیهود .
وقوله : (مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ یَعْلَمُونَ) قیل : فیه وجهان :
أحدهما : وهم یعلمون أنّهم یحرّفونه .
والثانی : من بعدما تحققوه وهم یعلمون ما في تحریفه من العقاب (١).
والذی یلیق بمذهبنا في الموافاة أن نقول : إن معناه : وهم یعلمون أنهم یحرفونه .
فإن قیل : فلِمَ إذا أخبر الله تعالى عن قوم بأنهم حرفوا وفعلوا ما فعلوا لا من المعاندة یجب أن یُؤیَس من إیمان من هو في هذا الوقت ، وأی علقة بین الموضعین والحالین؟
قیل : لیس کل ما لم یُطمَع فیه یُؤیَس منه على وجه الاستیقان بأنه لا یکون ؛ لأن الواحد من أفناء العامة لا یطمع أن یصیر ملکاً . و مع ذلك لا یمکن القطع على کل حال إنّ ذلک لا یکون أبداً، ولکن لا یطمع فیه ؛ لبعده ، والله تعالى نفى عنهم الطمع ، ولم یؤیسهم على القطع والبتات ،
____________________
(١) المصادر المتعرّضة لهذین الوجهین والقول السابق مشترکة ، منها : تفسیر القرآن العظیم لابن أبی حاتم الرازی ١ : ١٤٩ ت ٧٧٤ و ٧٧٧ ، تفسیر النکت والعیون ١ : ١٤٨ ، تفسیر کتاب الله العزیز للهواری ١ : ١١٨ ، تفسیر الوسیط ١ : ١٦٠ ، تفسیر المحرر الوجیز ١ : ٢٦٧ ، وغیرها .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4647_Tebyan-Tafsir-Quran-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
