والثانی : أنه لما ذکر الکتاب وعنى به التوراة وکان فیه الدلالة على شأن عیسى ومحمّد صلّى الله علیهما في النبوّة والبشارة المتقدمة ذکرهم عزّ وجل بما أنعم به علیهم من ذلک وفضلهم ، کما جاء (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (١) بعد نعم ذکرهم بها، ثم عدد نعماً أُخَر، وقال فیها : (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) أی : فبأی هذه تکذبان، وکل تقریع جاء فإنّما هو موصول بتذکیر نعمه، والثانی غیر الأول، والثالث غیر الثانی ، وهکذا إلى آخر السورة. وکذلک الوعید ـ في سورة المرسلات ـ بقوله : (وَیْلٌ یَوْمَئِذٍ لِلْمُکَذِّبِینَ) إنَّما هو بعد الدلالة على أعمال یعظم التکذیب بما تدعو إلیه الأدلة .
والثالث : أنه مقدّمة لما بعده ؛ لأنه تعالى لما أراد وعظهم ذکرهم قبل ذلک بالنعم علیهم ؛ لأنه استدعاء إلى قبول الوعظ لهم .
وقیل فیه وجه رابع، وهو أنه لما تباعد بین الکلامین حسن التنبیه والتذکیر .
وموضع (أن) (٢) نصب بالعطف على (نِعْمَتِيَ) .
____________________
(١) مقطع مکرّر فی سورة الرحمن ٥٥ : ١٣ و ١٦ و ١٨ و ٣١ و ٢٣ ، إلى آخره.
(٢) فی جمیع المطبوعات (الَّتِي) وهکذا فی المخطوطات لدینا ، عدا النسخة «خ» فمنها التصحیح ، إذ لم یتقدّم فی الآیة (الَّتِي) معطوفة ، والمعطوفة فقط (أنّى) أولاً . وثانیاً یساعد علیها قول النحاس فی إعراب القرآن ١ : ٢٥٨ حیث یصرح (أنّى) فی موضع نصب عطف على (نِعْمَتِيَ) ، وراجع غیر واحد من التفاسیر ، مثل : البحر المحیط ١ : ٣٠٥ ، التفسیر الکبیر للفخر الرازی :٣: ٥٢ ، تفسیر الجامع لأحکام القرآن :٢ : ٧٣ ، تفسیر الهدایة إلى بلوغ النهایة ١ : ٢٥٦ ، وغیرها کثیر عند تفسیر الآیة ٤٧ والآیة ١٢٢ ، ففیهما البحث المتحد.
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4647_Tebyan-Tafsir-Quran-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
