وقوله : (إنْ کُنتُمْ مُؤْمِنِینَ) أی : إن کنتم مصدقین کما زعمتم ، فأخبر أن تصدیقهم بالتوراة إن کان یأمرهم بذلک ، فبئس الأمرُ یأمرهم به . وإنما ذلک نفی عن التوراة أن تکون تأمر بشیء ممّا یکرهه الله من أفعالهم ، وإعلام منه أن الذی یأمرهم به أهواؤهم ، وتحمل علیه عداوتهم . وهذا کما یقول الرجل : بئس الرجل أنا إن رضیتُ بفعلک أو ساعدتک علیه .
والمعنى : وأشربُوا في قُلُوبهم حبّ العِجل بکفرهم ، أی : لإلفهم للکفر وثبوتهم فیه ، والکفرُ یدعو بعضُه إلى بعض ، ویُحسّن بعضه بعضاً . ولیس المعنى في قوله: (وَأُشْرِبُواْ) أن غیرهم فعل ذلک بهم؛ بل هم الفاعلون له ، کما یقول القائل : أُنْسِیتُ ذلک ، من النسیان ، لیس ترید به إلا أنک فعلت. وکقولهم : لقد أوتی فُلانٌ عِلماً جماً ، وإن کان هو المکتسب له. «قال الحسن : الذین» (١) قالوا : سمعنا وعصینا غیرُ الذین رفع علیهم الطور بأعیانهم، لکنهم کانوا على منهاجهم وسبیلهم ، فأما أولئک بأعیانهم فإنهم آمنوا إما طوعاً وإما کرهاً .
والمعنى في ( الباء) المتصلة بالکفر أنّهم کفروا بالله بما أشربوا من محبّة العجل ، ولیس المعنى في ذلک أنّهم أشربوا حبّ العجل جزاء على کفرهم ؛ لأن محبّة العجل کفرّ قبیح، والله لا یفعل الکفر في العبدِ لا ابتداءً ولا مجازاة .
____________________
(١) الجملة المحصورة فی النسخ مضطربة ، ففی «و» : «والجنس الذین» ، وأما هـ ، س ، حجری» : «وإنّ الجنس الذی» ، وفی «والمختصرة» : المثبت ، ویساعد علیه السیاق ، ولیس فیه کثیر إشکال إلا نسبة القول إلى الحسن ، ولم نجده ، وکون الجملة مستأنفة لیس إلا .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4647_Tebyan-Tafsir-Quran-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
