وثانيا : لو سلّمنا تعلّقه بخصوص النافع فهو من الموضوعات المستنبطة التي مرجع استنباطها إلى عرف الشارع إن كان له عرف فيها ، والعرف العام إن لم يكن ، ومطلق الظن إن لم يكونا من غير أن يتوقّف على إذن خاص وبيان جديد كما توهّم ، مضافا إلى أنّ توقّفه على ذلك مناف للامتنان وأصالة عدم الإجمال ووظيفة الشارع ، ألا ترى انّك لو مننت على أحد بضيافة ووضع طعام أمامه ، ثمّ تقيّد إباحته عليه بالاحتياج إلى إذن جديد في كيفيّة الأكل وكمّيته وتفصيله ، كان قبيحا عند العقل بالغاية ، وفضيحا عند العرف بالنهاية؟ فإذا لم يرض العقل ولا العرف بهذا الامتنان من أدنى الناس رتبة فكيف يرضاه ويجوّزه على أكرم الأكرمين وخالقهم من حيث لا يشعر؟! وهل هذا الفجاج إلّا من فرط اللجاج ، وكثرة الاعوجاج ، والانحراف عن المنهاج ، أعاذنا الله منه ومن سائر أمراض المزاج.
وأمّا إيراد المتن على جميع الآيات والأخبار المذكورة في المضمار بقوله : والانصاف ما ذكرنا من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بالاحتياط ، إلخ (١) ، فيمكن الجواب عنه بوجوه :
منها : منع عدم نزاع الأخبارية في أصالة البراءة عن التكليف في ما لم يعلم بعقل أو نقل التكليف به ، وانحصار دعواهم في قيام الدليل العقلي أو النقلي الوارد على ذلك الأصل ، بل الظاهر من جلّهم أو كلّهم أنّ وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية الذي نحن فيه إنّما هو من مقتضى نفس احتمال الحرمة الواقعية لا من مقتضى الدليل الخارجي الوارد على أصالة البراءة المسلّمة ، بل الظاهر أنّ جميع ما تمسّكوا به على الاحتياط من العقل والنقل إنّما يريدون به الاسترشاد إلى استناد الاحتياط إلى نفس احتمال الحرمة والشبهة ، كما هو ظاهر تلك الأدلّة بل
__________________
(١) فرائد الاصول : ١٩٥.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
