هذا الزمان وزمان قبل البعثة بل وزمان قبل الشرع نعم يتفاوت الأزمان بحسب طروّ الاحتمالات وعدمه ، فإنّ بعد البعثة والعلم بأنّ أكثر ما حكم العقل فيها بالاباحة قد حكم الشرع بحرمتها ، وهو يكشف عن وجود مفسدة كامنة لم يعلم بها العقل قد يضعف حكمه في إحراز الصغرى والعلم بخلوّ المورد عن الضرر ، ويقلّ جدوى الأصل ومنفعته بعد البعثة.
الثالث : قد ظهر ممّا قرّرنا الفرق بين أصل الاباحة وأصل البراءة من جهات : من جهة الذات ، ومن جهة الوصف ، ومن جهة المورد.
أما : من جهة الذات فلكون الاباحة بقسميها حكم من الأحكام الخمسة والبراءة بحسب الذات نفي حكم لا حكم.
وأمّا من جهة المورد فلاختصاص الإباحة الواقعية بمورد العلم لا الشكّ ، وبالشبهات التحريمية لا الوجوبية ، وبما فيه منفعة خالية عن أمارة المضرّة دون ما ليس فيها ، بخلاف البراءة والاباحة الظاهرية ، فإنّ موردهما يختص بمورد الشكّ لا العلم ويعمّ الشبهة التحريمية ، والوجوبية ، والأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة وغيرها.
وأمّا من جهة الوصف فلأنّ كلّا من البراءة والإباحة الشرعية أصل من الاصول الشرعية الجارية في حال الشكّ بخلاف الاباحة العقلية فإنّها من الأدلّة الاجتهادية الناظرة إلى الواقع والرافعة لموضوع الشكّ سواء استندت إلى الأدلّة النقلية مثل قوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ)(١) أم استندت إلى مستقلّات العقل التي لا يحتاج إلى واسطة خطاب الشرع.
وأمّا من عدّه من الفقهاء في غير المستقلّات حيث حصر المستقلّات في
__________________
(١) الاعراف : ٣٢.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
