الكرم والامتنان ولم يزل يصف تلك اللقمة ويذكرها ويعظّم شأنها ويشكرها ، فلا شكّ في أنّ ذلك الشكر والثناء يكون منتظما عند سائر العقلاء في سلك السخرية والاستهزاء ، فكيف ونعم الله بالنسبة إلى ذلك الملك؟ لا يحويها الإحصاء ولا يحوم حولها الاستقصاء ، فظهر أنّ تقاعدنا عن شكر نعمائه تعالى مما يقتضيه العقل السليم والكفّ عن حمد آلائه عزّ وعلا مما يحكم بوجوبه الرأي القويم والطبع المستقيم. انتهى.
قال البهائي في جوابهم ـ ولنعم ما قال ـ : لا يخفى على من سلك مسالك السداد ولم ينهج مناهج اللجاج والعناد أنّ لأصحابنا أن يقولوا : إنّ ما أوردتموه من الدليل وتكفّلتموه من التمثيل كلام مميل عليل لا يروي الغليل ، ولا يصلح للتعويل ؛ فإنّ تلك اللقمة لما كانت حقيرة المقدار في جميع الأنظار عديمة الاعتبار في كلّ الأقطار لا جرم صار الحمد والثناء على ذلك العطاء منخرطا في سلك السخرية والاستهزاء.
فالمثال المناسب لما نحن فيه أن يقال : إذا كان في زاوية الخمول وهاوية الذهول مسكين أخرس اللسان مسئوف الأركان مشلول اليدين معدوم الرجلين مبتلى بالأسقام والأمراض محروما عن جميع المطالب والأغراض ، فاقد السمع والأبصار لا يفرق بين السرّ والجهار ولا يميّز بين الليل والنهار ، بل عادم للحواسّ الظاهرة بأسرها عار عن المشاعرة الباطنة عن آخرها ، فأخرجه الملك عن متاعب تلك الزاوية ومصاعب هاتيك الهاوية ومنّ عليه بإطلاق لسانه وتقوية أركانه وإزالة خلله وإماطة شلله ، وتلطّف بإعطائه السمع والبصر وتعطف بهدايته إلى جلب النفع ودفع الضرر ، وتكرّر بإعزازه وإكرامه وفضّله على كثير من أتباعه وخدّامه ، ثمّ إنّه بعد تخليص الملك له من تلك الآفات العظيمة والبليّات العميمة وإنقاذه من الأمراض المتفاقمة والأسقام المتراكمة وإعطائه أنواع النعم الغامرة
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
