الدليل على أصل وجوب المعرفة ، وتارة اخرى في تعيين وصف الدليل الموجب للمعرفة هل هو من مقولة العقل أم النقل ؛ وتارة ثالثة في تشخيص كيفية الواجب من المعرفة هل هو القطع أم يكفي الظنّ؟ وعلى أيّ من التقديرين هل يلزم كونه من النظر والاستدلال أم يكفي التقليد؟ وتارة رابعة في كميّة ذلك الواجب ومقدار ما يجب من المعرفة فالكلام إذن في مراحل :
أمّا المرحلة الاولى فمحصّل الكلام فيها أن : الدليل على وجوب المعرفة في الجملة هو كلّ من الأدلّة الاربعة ، مضافا إلى الضرورة عند كلّ من التزم بوجود صانع مدبّر للعالم ، إلّا الدهرية المنكرة لوجوده ، فلا يبقي للمعرفة عندهم من موضوع ومحلّ فضلا عن الحكم والحلّ.
وأمّا المرحلة الثانية فتحقيق الكلام فيها : أنّ الدليل على وجوب المعرفة في الجملة ليس من النقل لاستلزامه الدور وإفحام الأنبياء ، بل إنّما هو من العقل وهو لزوم دفع الضرر المحتمل ، فإنّ من القريب إلى فطريات كلّ إنسان مكلّف إن لم يكن من فطريات كلّ حيوان هو إدراك أنّ ما يتوارده من النعم المتجدّدة العارية القابلة للبقاء والزوال إنّما هي من قبل غيره ، لا من قبل نفسه ، واحتماله ـ ولو وهما ـ التضرّر بعدم معرفة ذلك الغير المنعم عليه ولو بفقد نعمة أو نقصها ، وهذا الاحتمال والوهم ألم نفساني يستوجب العقل دفعه بتحصيل المعرفة ، وأيضا لزوم شكر المنعم الذي هو من المستقلّات العقلية يتوقّف على معرفة المنعم لئلا يتجاسر ويخطئ في كيفية شكره بما لا يليق بحاله.
أمّا لزوم شكر المنعم فتقريبه : أنّ من نظر بعين عقله إلى ما وهب له من القوى والحواسّ الباطنة والظاهرة وتأمّل بنور فطرته في ما ركّب في بدنه من دقائق الحكم الباهرة ، وصرف بصر بصيرته نحو ما هو مغمور فيه من أنواع النعماء وأصناف الآلاء التي لا يحصر مقدارها ولا يقدر انحصارها فإن عقله
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
