قصور عقولنا النظرية المشوبة بشوائب الأوهام ، أو من جهة إمكان عفو الشارع عن العقوبة والمؤاخذة بمحض العقل ما لم يؤكّده بدليل النقل لطفا وعفوا منه على العباد ، كما زعمه الأخبارية من قوله تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(١).
وإمّا من جهة معارضة حسن الفعل بقبح التكليف به كموارد التقية أو قبح الفعل بحسن التكليف به كالأوامر الامتحانية والابتلائية ، كما زعمه الفصول في منعه الملازمة الواقعية بين حكم العقل والشرع (٢) وإن سلّم الملازمة بينهما بحسب الظاهر ، أعني بعموم (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ)(٣) «وحرّم الخبائث» (٤) ، وعموم (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) ... (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)(٥) إلى غير ذلك من العمومات والإطلاقات وبأصالة عدم المعارضة والمزاحمة الموجبة ، لعدم الملازمة.
وإذ قد عرفت ذلك فاعلم : أنّ منع الملازمة بأيّ جهة من الجهات المذكورة وإن كان محلّا للنزاع إلّا أنّ منعها من جهة قصور عقولنا ليس محلّا للنزاع في هذه المسألة ، وإنّما هو محلّ للنزاع في حجّية القطع والتفصيل بين قطع القطّاع الحاصل من الأسباب الغير العادية وغيره ، وإنّما النزاع في هذه المسألة في ملازمة حكم العقل للشرع من إحدى الجهات الأخر المذكورة من حيث إنّه عقل الكلّ حتى عقل الأنبياء ، لا من حيث إنّه عقلنا حتى يعتريه جهة القصور والعدم.
وإذ قد تشخّص تحرير محلّ النزاع في المسألة فاعلم : أنّ حجّة كلّ من
__________________
(١) الإسراء : ١٥.
(٢) الفصول : ٣٣٧.
(٣) المائدة : ٥.
(٤) اشارة إلى الآية (١٥٧) من سورة الأعراف : (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ).
(٥) النحل : ٩٠.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
