يدرك العقل حسنه ولا قبحه ، بمعنى أن ليس فيه من الوجوه المحسّنة ولا المقبّحة حتى يدركه العقل ، لا بمعنى أنه لا يحتمل فيه ذلك ولكن لا يدركه العقل كما توهّمه بعض (١) ، بل نسب إلى ظاهر شارح الجواد حيث إنّه بعد ما ذكر أنّ بعض الأفعال ممّا يدرك العقل حسنها أو قبحها وقسّمها إلى الأحكام الخمسة قال : وما لا يدرك العقل فيه حسنا ولا قبحا فقد اختلفوا في إباحتها وحظرها. وتبعه على ذلك صاحب الفصول (٢) بل نسبه إلى الأكثر.
فإنّ ظاهر هذا الكلام يقتضي أن يكون النزاع في ما جهله العقل ، فكأنّ العلماء بعد ما فرغوا عن معلومات العقل شرعوا في بيان ما جهله العقل هل الحكم فيه الاباحة أو الحظر؟ وهذا غفلة عن محلّ النزاع. ويرشد إلى ما ذكرنا أنّ (٣) الحاظر إنّما تمسّك بأنّه تصرف في ملك الغير فكأنّ المانع ليس في نظره إلّا هذا فلو كان النزاع فيما لا يدرك العقل بالمعنى الذي ذكروه لكان لأحد أن يتمسّك بقاعدة دفع الضرر المحتمل.
وممّا يؤيّد ذلك أنّ المحقق القمّي (٤) بعد ما قال : إن بعض الأفعال ممّا لا يدرك العقل فيه شيئا قال : والأشاعرة يقولون بعدم إدراكه على طريق السلب الكلّي ولا شكّ أنّ السلب الكلّي عند الأشعري ليس إلّا لانتفاء الموضوع فإنّه يقول : ليس في ذات الافعال شيء يدركه العقل. وأيضا إنّ الحكم بالإباحة عند القائلين بها ليس من جهة كونه مجهول الحكم لأنهم يعلّلون الاباحة بأنّه شيء ذات منفعة خالية عن الضرر مأذون من الشارع فلا وجه لحرمته.
فهذا التعليل يرشد إلى أن مرادهم من المعلول أعني الإباحة هو الحكم
__________________
(١) راجع القوانين ٢ : ٩.
(٢) الفصول : ٣٤٦ و ٣٤٩.
(٣) في النسخة : «ان انّ الحاظر» بتكرار «انّ».
(٤) القوانين ٢ : ٨.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
