ولكن قد عرفت فيما تقدّم عدم اختصاص أدلّة البراءة في ما ذكر ممّا يكون موضوع الحكم فيه الشيء بوصف أنّه مجهول الحكم مع قطع النظر عن نفس ذلك الشيء وثبوته في الواقع ، بل له أدلّة أخر ممّا يكون موضوع الحكم فيه الشيء بوصف ثبوته في الواقع ، كسائر الأدلّة الاجتهادية الناظرة والحاكية عن الواقع ، مثل قوله تعالى : (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)(١) وقوله : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً)(٢) فإنّها وإن لم تكن معلّلة بالتصريح ، إلّا أنّها كالصريحة في الدلالة على عدم تحريم ما لا نصّ فيه بوصف عدم تحريمه في الواقع ، لا بوصف أنّه مجهول الحكم ، سيما بملاحظة تأكّد منطوق تلك الآيات بمفاهيم حصره المحرمات بقوله تعالى : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ)(٣) الآية ، وبقوله : (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ)(٤) الآية ، إلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على أنّ الأشياء الغير المعلوم الحرمة مباحة في الواقع ، لا في الظاهر فقط.
فيتوجّه به ما نسب إلى ظاهر جماعة ، بل المشهور من كون البراءة من الأدلّة لا الاصول لوفاء الأدلّة به أيضا ، كما عرفت.
فلا بد في جعلها من الأدلّة مضافا إلى ما عن القوانين (٥) من تصريحه بكون المراد من البراءة في مقابل الاخبارية أعمّ من البراءة بمعنى الأصل ، ومن قاعدة عدم الدليل دليل العدم ، بمعنى الدليل.
وبالجملة : فبعد ظهور كلام القوم ، مع ظهور بعض الأدلّة ، مع تصريح
__________________
(١) البقرة : ٢٩.
(٢) الاعراف : ٣٢.
(٣) البقرة : ١٧٣.
(٤) الاعراف : ٣٣.
(٥) القوانين ٢ : ١٤ ـ ١٥.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
