فالكلام الأوّل في تشخيص مفاد البراءة في مواردها. والثاني في تشخيص كيفيّة اعتبارها.
فنقول : أمّا الكلام في المقام الأوّل فتحقيقه : انّه لا إشكال ولا خلاف في عدم إفادة البراءة ، وهي قبح العقاب بلا بيان القطع بالبراءة في الواقع في شيء من مواردها إلّا في ما يعمّ به البلوى من المسائل ، فإنّه بمعونة قضاء العادة في خصوصه ربّما يفيد القطع بالبراءة في الواقع ، وأنّه لو كان دليل أو حكم واقعي على خلافها لبان ، ولو بان لوصل إلينا ، لعموم البلوى وتوفّر الدواعي فيه.
كما لا إشكال ولا خلاف في إفادتها القطع أو الظنّ بالبراءة ونفي الحكم في الظاهر حسبما يأتي تفصيله. وإنّما الخلاف والإشكال في إفادتها الظنّ بالواقع في ما لا يعمّ به البلوى. فظاهر المتن عدم إفادتها. والأصحّ إفادتها ، نظرا إلى غلبة استناد عدم وجدان الشيء في مظانّ وجوده إلى عدم وجوده في الواقع ، فبملاحظة هذه الغلبة تفيد البراءة الظنّ بالواقع ، سيما البراءة الأصليّة المسمّاة باستصحاب النفي واستصحاب العدمي ، فإنّه مفيد للظنّ بالواقع وإن لم يفده الاستصحاب الوجودي ، على ما سيأتي في محلّه.
وعلى ذلك فيظهر لك منع ما في ظاهر كلام المتن من عدم إفادتها الظنّ بالواقع.
هذا حال البراءة بالنسبة إلى الواقع. وأمّا بالنسبة إلى الظاهر فقد عرفت عدم الإشكال والخلاف في إفادتها القطع أو الظنّ بنفي الحكم نعم ، الخلاف فيه إنّما هو في تعيين مفادها بالنسبة إلى الظاهر ، هل هو القطع ـ كما صرّح به الماتن (١) ـ أو الظنّ ـ كما اختاره القوانين (٢) ـ؟ ولعلّ نظر الماتن إلى تماميّة قبح
__________________
(١) فرائد الاصول : ٢١٦.
(٢) القوانين ٢ : ١٥.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
