أوّلا : إنّ حديث الريب مجمل ، لما عن الصحاح من تفسيره بالشكّ والتّهمة ، وظاهره الاشتراك اللفظي بينهما ، ولا قرينة في الحديث على تعيين إرادة الشكّ منه ، فحمله على إرادة الشكّ ليس بأولى من حمله على إرادة التهمة ليكون معناه «اترك ما يتّهمك ، واذهب إلى ما لا يتّهمك» نظير قوله عليهالسلام : «اتّقوا مواضع التهم» (١).
وثانيا : سلّمنا إرادة الشكّ منه ، ولكن مع ذلك لا ينطبق على المدّعى ـ وهو رجحان الاحتياط ، ومرجوحيّة البراءة ـ إلّا بتكلّف بعيد ، وذلك لعدم كون أصل البراءة منشئا ومحدثا فيك الشكّ حتّى يصدق عليه قوله : «دع ما يشكّك» بل شكّك المفروض في حكم الواقعة عبارة عن عدم علمك وجهلك المستمر من قبل ، ما لم يزله مزيل ، وكذلك الاحتياط ليس ممّا لا يشكّك حتى يصدق عليه لا يريبك ، بل هو يوقيك ويزيل شكّك.
فعلى تقدير إرادة الشكّ من الريب لا ينطبق الحديث على العمل بالاحتياط وترك أصالة البراءة ، بل لا بدّ إمّا من حمله على إرادة الاستصحاب ، وإبقاء ما كان على ما كان ، ليكون نظير «لا تنقض اليقين بالشكّ» (٢) فإنّ نقض اليقين السابق بالشكّ ممّا يربيك ويوقعك في شكّ فدعه ، وعدم نقضه بالشكّ أو نقضه بيقين مثله ممّا لا يربيك ولا يوقعك في شكّ فلا تدعه. انتهى.
ولكن في إيراده الثاني ـ وهو عدم انطباق الحديث على المدّعى ـ نظر ، لأنّ الموجب للريب والشكّ هو العمل بطبق البراءة ، لا نفس الاستناد إلى البراءة حتى يمنع إيجابه الشكّ ، والموجب لعدم الشكّ والريب هو عدم العمل بطبق البراءة ، فانطبق الحديث على المدّعى ، إلّا انّه يبقى الإيراد الأوّل ، إذ كما ينطبق
__________________
(١) لم نعثر على هذا اللفظ في أحاديثنا ، راجع الوسائل ٨ : ٤٢٢ ب «١٩». نعم ، ورد هذا اللفظ في إحياء علوم الدين للغزالي ٣ : ٣٦.
(٢) التهذيب ١ : ٨ ح ١١ ، الوسائل ١ : ١٧٤ ب «١» من أبواب نواقض الوضوء ح ١.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ٢ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4680_altaliqa-ala-faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
