والأخبار من هذا القبيل كثيرة نقلها الفريقان جميعاً ، وهي بأجمعها تنادي بأنّه عليهالسلام كان عارفاً بأهل زمانه ، عالماً بعدم إطاعة أصحابه له كما هو حقّه ، موقناً بأنّ الفساد الذي يترتّب ذلك الوقت على المحاربة أعظم من فساد المهادنة ، وأنّ مصالحته كانت دفاعاً ومهادنةً ، قضاءً لحقّ مصلحة الوقت ، ولم يكن ذلك بيعةً على إمامة معاوية ولا تفويض الخلافة والإمارة إليه ، كما توهّمه بعض الجاهلين بحقّ أئمة الدين ، فاعترض بأنّه كيف يجوز له خلع الإمامة عن نفسه ، وإيجاب فرض الطاعة لذلك الرجل المعلوم حاله (١) ؟
فقد ظهر ممّا بيّنّاه أنّ هذا القول من قبيل أوهام أُولئك المخالفين الذين يتشبّثون بكلّ حشيشة في الطعن على أهل الحقّ ولو كان ممّا لم يدركوا معناه ولم يفهموا مغزاه .
وممّا ينادي بما بيّنّاه وأوضحناه ما سنذكره صريحاً مع كثير من العبارات التي ذكرناها آنفاً ، لاسيّما شرطه عليه أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ؛ ضرورة أنّه صريح في إسقاطه عن إمارة المؤمنين ، بل وعند إضافة شرط عدم إقامة الشهادة عنده ينادي صريحاً بأنّه قد حكم عليه عياناً بأنّه من حكّام الجور والباطل ، فلا محالة لم يكن ما فعله الإمام عليهالسلام إلاّ محض رفع نفسه عن ارتكاب لوازم حكومة الإمام المتمكّن على إمامته ، المطاع في منصبه ، لإطفاء نار المحاربة التي كانت بين الفريقين ، ولم تقتض المصلحة في ذلك الوقت إلاّ الإطفاء لا غير ذلك ، كما فعل أبوه عليهالسلام مع من تقدّم عليه ، وجدُّه صلىاللهعليهوآله مع طوائف عديدة ، منها : أهل مكّة يوم الحديبيّة .
__________________
(١) انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦ : ٢٦ .
![ضياء العالمين [ ج ٤ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4693_Dhiae-Alamin-part04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
