وأمّا ثالثاً : فلما هو واضح من أنّه لو سُلّم صحّة ما ادّعوه أيضاً لا يلزم منه كونه أشجع الناس حتّى من عليٍّ عليهالسلام فارس المشارق والمغارب الذي قتل في خصوص ذلك اليوم ـ كما مرّ ـ أزيد من عشرين فارساً من صناديد المشركين فضلاً عن سائر حروبه ، ونعم ما قاله بعضٌ حيث ذكر أنّ مَثَل هذه الدعوى بمحض هذا الاستناد كمَثَل رجل قال : عندي كلب أشجع وأفرس (١) من الأسد ، لأنّي رأيته يوماً يطارد حشرات الأرض وربّما صادهنّ .
هذا كلّه ، مع ما نقلوه من ضعف جثّة أبي بكر ، وكونه نحيف الجسم جدّاً ، ومع وجود ألفاظ في خبرهم دالّة على كونه إمّا موضوعاً كأكثر أخبارهم في مدح مشايخهم ، وإمّا وارداً على سبيل التهكّم والتعريض ، بأنّ إظهار التشجّع من ذلك الرجل إنّما كان في مقامٍ لا يرى فيه الخطر ؛ إذ لا أقلّ من عدم معنى جبن فحول الصحابة كلّهم عن القيام بحراسة نبيّهم ، لا سيّما مع بُعْده من عدوّهم ، وخاصّةً عليّ عليهالسلام الذي لم يعرف معنى الجبن أبداً ، وبات في مكّة وحيداً على فراش النبيّ صلىاللهعليهوآله بين سيوف هؤلاء الكفرة ، وكان قدّام كلّ عسكر النبيّ صلىاللهعليهوآله يوم بدر يضرب بالسيف قدماً كالليث الضاري ، كما صرّح به النبيّ صلىاللهعليهوآله ، حيث قال له عبيدة بن الحارث ـ لمّا أتوا به إليه بعدما اُصيب من الأعادي ـ : ليت أبا طالب كان حيّاً فيرانا أنّا عملنا بما أوصانا به في حقّك ، فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآله : «أما ترى ابنه كالليث يضرب الأعادي بالسيف» (٢) .
وبالجملة : كلّ من تأمّل في أمثال ما ذكرناه عن هؤلاء القوم على بصيرةٍ لم يبق له شكٌّ في أنّ مدار هؤلاء على تنزيل عليٍّ عليهالسلام ، ورفع
__________________
(١) في «س» و«م» و«ن» : «أسبع» بدل «أفرس» .
(٢) انظر : تفسير القمي ١ : ٢٦٥ .
![ضياء العالمين [ ج ٤ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4693_Dhiae-Alamin-part04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
