وساکنوا الجنة (١) .
وأقوى هذه الوجوه قول من قال : إن الملائکة إنما قالت : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ) لا على وجه التعجب من هذا التدبیر ولا الإنکار له ، ولکن على وجه التألم والتوجع والاغتمام والاستعلام لوجـه التدبیر فـیه . فقال الله : ( إِنَّی أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) من وجه المصلحة فی خلقهم، وما یکون فیهم من الخیر والرشد والعلم ، وحسن التدبیر ، والحفظ والطاعة ما لا تعلمون .
فإن قیل : الملائکة ما عرفت ذلک ، إذ لم یمکنها أن تستدرک ذلک بالنظر والفکر ؟
قلنا : قد یجوز أن لا یکون خَطَرَ ببالها ذلک إلا عندما أعلمهم الله ، فلما علموا ذلک فزعوا إلى المسألة عنه ؛ لأن المسألة لمن یتوقع سرعة جوابه ویوثق بعلمه وخبره یقوم مقام النظر والفکر .
وقولهم : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ) ، یریدون : ولد آدم الذین لیسوا أنبیاء ، ولا أئمّة معصومین ، لا آدم نفسه ومـن یـجـری مـجـراه مـن الأنبیاء والمعصومین.
فکأنه قال تعالى : إنی جاعل فی الأرض خلیفة یکون له ولد ونسل یفعلون کیت وکیت . فقالوا : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ) ، یریدون : الولد . وقد بینا أن الخلیفة هو من یخلف من تقدمه ، جماعة کانوا أو واحداً (٢) ، فلما أخبر الله تعالى الملائکة : إنّه یخلق فی الأرض عباداً هم آدم وولده ، ویکونون خلیفة لمن تقدَّمهم من الجنّ أو غیرهم ؛ قالوا ما قالوه .
__________________
(١) نقلت الآراء فی تفسیر جامع البیان ١ : ١٦٢ ، تاریخ مدینة دمشق ٧ : ٣٩٩ .
(٢) تقدَّم فی صفحة : ١٦
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4646_Tebyan-Tafsir-Quran-part02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
