وإنما جاز نصب «آدم» ؛ لأن الأفعال المتعدیة إلى المفعول به على ثلاثة أقسام :
أحدها : یجوز أن یکون الفاعل له مفعولاً به والمفعول به فاعلاً نحو : أکْرَمَ بِشْرٌ بَکْراً ، وشَتَمَ زَیدٌ عَمْراً .
ثانیها : ومنها : ما لا یکون فیه المفعول به فاعلاً، نحو: أَکَلْتُ الخُبْزَ ، وسَرَقْتُ دِرْهماً ، وأعطیت دیناراً ، وأمکننی الغوص .
وثالثها : ما یکون إسناده إلى الفاعل فی المعنى کإسناده إلى المفعول به ، نحو : أَصَبْتُ ونِلْتُ وتَلَقَّیْتُ . تقول : نالنی خیرٌ ، ونِلْتُ خَیراً . وأَصابنی خَیرٌ ، وأَصَبْتُ خَیراً . وَلَقِینی زَیْدٌ ، ولَقِیتُ زیداً. وتلقانی ، وَتَلَقیته . وقال تعالى : ( وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ) (١) . وقال : ( وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) (٢) .
فعلى هذا الرفع والنصب فی المعنى واحد فی الآیة .
وإنما أختیر رفع آدم ؛ لأن علیه الأکثر وشواهده أکثر ، کقوله: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ) (٣) فأسند الفعل إلى المُخاطبین ، والمفعول بـه کـلام یُتَلَقَّى . کما أن الذی تَلَقَّى آدَمُ کلاماً مُتَلَقَّى ، وکما أسند الفعل إلى المخاطبین والمفعول به کلام فجعل التلقی لهم ، کذلک یلزم أن یُسند الفعل إلى آدم ، فیجعل التلقی له دون الکلمات .
فأما على ما قال أبو عبیدة أن معناه : قبل الکلمات ، فالکلمات مقبولةٌ ، فلا یجوز غیر الرفع فی آدم .
ومثل هذا فی جواز إضافته تارةً إلى الفاعل ، وأخرى إلى المفعول .
__________________
(١) سورة آل عمران ٣ : ٤٠
(٢) سورة مریم ٨:١.
(٣) سورة النور ٢٤ : ١٥ .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4646_Tebyan-Tafsir-Quran-part02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
