قلنا : إذا کان القوم کُلّفوا أن یقتل بعضهم بعضاً، فکل واحد منهم یقصد قتل غیره ویجوز أن یبقى بعده ، فیکون القتل لطفاً له فیما بعد ، ولو کان بمقدار زمان یفعل فیه واجباً واحداً . أو یمتنع من قبیح ، وذلک کما نقول فی عبادتنا بقتال المشرکین ؛ وإنّ الله تعالى تعبّدنا بأن نقاتل حتى نقتل وتقتل ومدح على ذلک ؛ فکذلک روى أهل السیر : إن الذین عبدوا العجل تعبدوا أن یُقاتلوا من لم یعبده ، ویصبروا على ذلک حتى یقتل بعضهم بعضاً ، فکان القتل شهادةً لمنْ قُتلَ وتوبةً لمن بقی (١) .
وإنما کانت تکون شبهة لو أمروا بأن یقتلوا نفوسهم بأیدیهم.
ولو صح ذلک لکان لا یمتنع بأن یکونوا أُمروا بأن یفعلوا بنفوسهم الجراح التی تفضی إلى الموت وإن لم یزل معها العقل فینافی التکلیف .
وأما على القول الآخر وهو : إنّهم أمروا بالاستسلام والقتل والصبر علیه ؛ فلا مسألة ؛ لأنّهم ما أمروا بقتل نفوسهم . وعلى هذا یکون قتلهم حسناً ؛ لأنه لو کان قبیحاً لما جاز أن یؤمروا بالاستسلام له .
ولذلک نقول : لا یجوز أن یُتعبّد نبی أو إمام بأن یستسلم للقتل ـ مع قدرته على الدفع عن نفسه ـ فلا یدفعه ؛ لأنّ فی ذلک استسلاماً للقبیح مع القدرة على الدفع عن نفسه ، وذلک لا یجوز . وإنما یقع قتل الأنبیاء والأئمة ظلم ، وارتفاع التمکن من الدفع مع الحرص على الدفع ، غیر أنه لا یمتنع أن یتعبد بالصبر على الدفاع وتحمل المشقة فی ذلک وإن قتله غیره ظلماً .
__________________
(١) لاحظ مصادر الهوامش السابقة صفحة ٢٩١ ، وتفسیر مقاتل ١ : ١٠٦ ، تفسیر السمر قندی ١ : ١١٩ ـ ١٢٠ .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4646_Tebyan-Tafsir-Quran-part02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
