وأما الإفتاء بوجوب الاحتياط فلا إشكال في أنه غير مطابق للاحتياط (١) ، لاحتمال حرمته ، فإن ثبت وجوب الإفتاء فالأمر يدور بين الوجوب والتحريم (٢) ، وإلا (٣) فالاحتياط في ترك الفتوى (٤) ، وحينئذ : فيحكم الجاهل بما يحكم به عقله ، فإن التفت إلى قبح العقاب من غير بيان لم يكن عليه بأس في ارتكاب المشتبه ، وإن لم يلتفت إليه واحتمل العقاب كان مجبولا على الالتزام بتركه (٥) ، كمن احتمل أن فيما يريد سلوكه من الطريق سبعا.
وعلى كل تقدير : فلا ينفع قول الأخباريين له : إن العقل يحكم بوجوب الاحتياط من باب وجوب دفع الضرر المحتمل (٦) ، ولا قول
__________________
(١) بل هو حرام بنظر الأصولي ، لعدم الدليل عليه.
(٢) يمتنع ثبوت وجوب الإفتاء بعد فرض عدم العلم بالحكم ـ وهو وجوب الاحتياط وعدمه ـ وحرمة الفتوى من غير علم. ومع فرض العلم الحكم تجوز بل قد يجب الفتوى على طبقه ولا يدور الأمر بين الوجوب والتحريم. نعم لو فرض وجوب الفتوى بالحكم الواقعي مطلقا وحرمة الفتوى بغيره كذلك دار الأمر بين الوجوب والتحريم. لكن لا مجال لتوهم ذلك.
(٣) يعني : وإن لم يثبت وجوب الإفتاء.
(٤) بل عرفت حرمتها مع عدم وضوح الأدلة وأما مع وضوحها فيجوز لكل عالم الفتوى بما علم ، كما يجوز ترك الفتوى تورعا إذا لم يعرض ما يقتضي وجوبها.
(٥) من باب وجوب دفع الضرر المحتمل الذي تقدم أنه فطري.
(٦) كأنه لأن حكم العقل وجداني لا يقبل الشك والتقليد. لكن لا يخفى انه لم يتقدم من الأخباريين الاستدلال بوجوب دفع الضرر المحتمل ، كيف وقد سبق من المصنف قدس سرّه دعوى اتفاق الأخباريين والأصوليين على أن مقتضى حكم العقل
![التنقيح [ ج ٣ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4669_altanqih-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
