الرابع من الأدلة : حكم العقل بقبح العقاب على شيء من دون بيان التكليف.
ويشهد له : حكم العقلاء كافة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريمه (١).
ودعوى : أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي فلا يقبح بعده المؤاخذة ، مدفوعة : بأن الحكم المذكور على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه ، وإنما هو بيان لقاعدة كلية ظاهرية (٢) وإن لم يكن في مورده تكليف في الواقع ، فلو تمت عوقب على
__________________
(١) الاعتراف بعدم الإعلام لا دخل له إلا من حيث استلزامه للغفلة ، أو من حيث كشفه عن عدم بلوغ الحكم إلى مرتبة الفعلية ، أو رجوعه إلى تقصير المولى في بيان التكليف.
والأولان يقبح العقاب معهما قطعا حتى عند القائل بوجوب الاحتياط في ما نحن فيه ، فلو لم يستلزم عدم الاعلام أحد الأمرين المذكورين فهو كسائر موارد الجهل ، وليس أوضح من غيره حتى يتسنى الاحتجاج به.
والثالث ـ مع أنه غير مطرد لإمكان تعذر البيان على المولى ـ لا دخل له بقبح العقاب ، فإن تقصير المولى في حفظ غرضه وقبح ذلك منه لا ينافي وجوب الاحتياط على العبد وحسن عقابه على المخالفة. فالعمدة أن دعوى قبح العقاب بلا بيان قطعية اتفاقية لا تحتاج إلى استدلال وإيضاح.
(٢) فإن قاعدة دفع الضرر المحتمل لا يكون بيانا وأمارة على وجود الضرر وثبوت التكليف ، حتى يرتفع بها موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وإنما هي قاعدة ظاهرية تقتضي الحذر من الضرر بعد فرض عدم البيان ، فلا يرتفع بها موضوع القاعدة.
![التنقيح [ ج ٣ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4669_altanqih-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
