ويشهد لما ذكرنا ، من المغايرة الاعتبارية (١) : أن الشيخ لم يقل
__________________
أن ظاهر كلام المحقق قدس سرّه أن المراد به مجرد الحكم بالبراءة لعدم الدليل على التكليف لتوقف تنجز التكليف على البيان وقبح العقاب بدونه ، لا لأجل الحالة السابقة ، كما قد يظهر مما ذكره في وجه جريان البراءة من وجوب الزائد على ربع الدية في عين الدابة ، لظهوره في أن الموجب له عدم قيام الإجماع لا غير. ولذا يختص ذلك بالبراءة ولا يجري في التكليف أو غيره من الأحكام الشرعية لو كان ثابتا سابقا ، كما صرح به في القسم الثالث إذ لو كان للحالة السابقة دخل في نظر المحقق لما كان المناسب له اعتبار القسم الثالث وهو استصحاب حال الشرع ، فاعتباره للقسم الأول دون الثالث ظاهر في خصوصية البراءة دون الحالة السابقة.
وأما التعبير عنه بالاستصحاب فلعله من جهة الحكم فيه على طبق الحالة السابقة وإن لم يكن بملاحظتها ، كما هو الحال في القسم الثاني أيضا إذا اختصاص الاستصحاب بما يكون الملحوظ فيه الحالة السابقة اصطلاح متأخر نشأ من الاستدلال عليه بالأخبار الملحوظ فيها ذلك. ولأجل هذا ذكرنا آنفا أنه لا يبعد أن يكون مراد المحقق قدس سرّه بالقسم الأول أصل البراءة الذي نحن بصدده.
والذي تحصل من جميع ما ذكرنا : أن مراد المحقق قدس سرّه من القسم الأول أصل البراءة ، ومن الثاني قاعدة عدم الدليل دليل العدم التي هي من الأمارات ، بل الأدلة العلمية على نفي الحكم واقعا ، ومن الثالث الاستصحاب المصطلح عند المتأخرين. وهي وإن اشتركت في الحكم على طبق الحالة السابقة ، إلا أن سنخ الحكم وملاكه فيها مختلف جدا ، فهو في الأول والثالث ظاهري فعلي ، وفي الثاني واقعي. وملاكه في الأول عدم الدليل الذي من شأنه أن يصل ، بضميمة قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وفي الثاني عدم الدليل واقعا مطلقا ، وفي الثالث ملاحظة الحالة السابقة فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.
(١) بناء على ما ذكرنا في معنى القسمين لا يكون الاختلاف بينها اعتباريا ، بل حقيقيا ، من حيث أن مفاد الأول نفي التكليف ظاهرا ، ومفاد الثاني نفيه واقعا.
![التنقيح [ ج ٣ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4669_altanqih-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
