إيجاب النظر يستلزم الدور ، فإنّ وجوبه إن استند إلى الشرع توقّف على المعرفة بالأصل المتوقّف على النظر ، فيتوقّف على نفسه ، وإن استند إلى النظر توقّف على نظر آخر ، فيتوقّف على وجوبه ـ ولا يخفى جريان الكلام المذكور في ايجاب التقليد أيضا ـ وبأنّ التكليف بذلك لو ثبت أمر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم به ولم يجز اكتفائه منهم بكلمة الشهادة بلا تكلّف استدلال ، ومن المعلوم خلافه ؛ وبأنّ الاصول أغمض أدلّة من الفروع فهى أولى بالاكتفاء فيها بالتقليد وبأنّ أدلّة التقليد من الكتاب والسنّة شاملة للمقامين.
والجواب : أنّ وجوب النظر إنّما يستند إلى لزوم دفع الضرر ، وهو أمر فطري لا يتوقّف على النظر ، مركوز في عقل البشر بل في نفوس الحيوانات أيضا ، فلا يدور.
وأنّ الاكتفاء بالشهادتين مبنيّ على الاكتفاء بالظاهر في الكشف عن الباطن كما في ساير المقامات ، أو على الاعتماد على شهادة العقول بهما بمجرّد الالتفات والنظر في الآيات البيّنات ومشاهدة المعجزات القاهرات ، والاكتفاء بفطرة الله تعالى (الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)(١).
وكيف يتوّهم عدم ورود الاستدلال في الشرع وكونه بدعة مع أنّ الكتاب الكريم مشحون من الاستدلال عليهما بما لا يحصى من الآيات الباهرات والدلالات الظاهرات فضلا عمّا اشتمل عليه متواتر الروايات؟ إنّما الممنوع إثارة الشبهات على اولي البصائر الضعيفة التي تعجز عن حلّها ، لا تنبيه الجاهل على الآيات الآفاقية والأنفسيّة ، والأدلّة الواضحة والمعجزات الظاهرة.
__________________
(١) سورة الروم / ٣٠.
