الحكم باجتنابها كان للسؤال وجه ، لكنّا نمنع من بلوغها حدّا يستقلّ العقل مع قطع النظر عن الشرع بالاحتراز عنها ، كما يظهر من ملاحظة الطرق المقرّرة للموضوعات الجارية مع الظنّ بالمخالفة في كثير من المقامات.
اللهمّ إلّا أن يفرض تلك المفسدة في بعض المقامات خاصّة كالسمّ المخوف ، فحينئذ يكون احتماله الموجب للخوف معتبرا في نظر العقل فضلا عن الظنّ به.
هذا ؛
وينبغي التنبيه في المقام على امور ؛
الأوّل : إنّ العلم وإن عدّ طريقا إلى إثبات الأحكام ، حجّة قاطعة في كلّ مقام ، إلّا أنّ حجيّته واعتباره ليس أمرا مجعولا من الشارع مدلولا عليه بالأدلّة النقليّة ليحتاج إلى إقامة الدليل عليه ، بل ولا أمرا قابلا لتعلّق الجعل به من أيّ جاعل كان ، بل ولا حجّة عقليّة واسطة في ثبوت المعلوم ، إذ هو الغاية المقصودة من كلّ حجّة والفائدة الحاصلة من كلّ دليل ، والحجّة هي الّتي تبعث على حصول العلم ، وهي الوسط الّذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر ، كالتغيّر الموجب للعلم بحدوث العالم ، ومنه الظنون المعتبرة ، فإنّها وسائط لإثبات أحكام متعلّقاتها ، كما يقال : هذا ما أفتى به المفتي ، وكلّما كان كذلك فهو حكم الله في حقّ المقلّد.
وليس العلم كذلك ، إذ هو عين انكشاف المعلوم ، فالعالم حين علمه إنّما يرى المعلوم يرتّب عليه آثار الواقع من حيث هو واقع لا من حيث هو معلوم ، فلا يقال : هذا معلوم الخمريّة ، وكلّ معلوم الخمريّة فحكمه كذا ؛ لأنّ أحكام الخمر إنّما يثبت للخمر ، لا لمعلوم الخمريّة ، إنّما يقال : هذا خمر وكل خمر فهو كذا ، وإنّما العلم هو انكشاف صدق الصغرى ، وليس واسطة في إثباتها ، وإنّما يطلق
