الطرق والاصول المقرّرة في معرفة الأحكام والموضوعات ، ووضوح التفرقة بين احتمال الضرر الموجب للخوف والخطر واحتمال النجاسة وغيرها من وجوه المحرّمات أقوى شهادة على خلافه ، وإلّا فكيف جاز للشارع ، إيقاع المكلّفين في تلك المفاسد الذاتيّة بنصب الطرق المؤدّية إلى خلاف الواقع في غالب الموارد ، بل قد عرفت ندرة إصابة الواقع فيها من جميع الجهات جدّا.
ودعوى (١) انجبار ضرر المخالفة في تلك الموارد بالمصلحة الحاصلة في العمل بالطرق الشرعيّة والاصول المقرّرة مدفوعة بأنّها على تقدير تسليمها ينافي ما ذكر من استتباع الأحكام الواقعيّة للمصالح والمفاسد الثابتة لما تقرّر عند الإماميّة من ثبوت تلك الأحكام بحسب الواقع والحقيقة وشمول التكاليف الواقعيّة في حقّ العالم والجاهل بالسويّة ، مع ما هو المفروض من زوال تلك المفاسد بإتباع الاصول والطرق المعتبر ، فإنّما يدور المصالح والمفاسد مدار الطرق الظاهريّة مع ثبوت الأحكام بحسب الواقع على الوجه العامّ ، فلا يستلزم الظنّ بها الظنّ بتلك العلل ، إلّا أن يقال : إنّها مقتضيات للأحكام ومصالح الطرق مانعة من تأثيرها ، فيلزم العمل بالمقتضي حتّى يثبت المانع ، فالظنّ بالواقع ظنّ بالمقتضي من غير مانع ظاهر ، فيجب اتّباع مقتضاه.
وفيه : أنّ المقصود إثبات عدم استلزام الواقع للمفسدة الذاتيّة التي يتحقّق بها الضرر ، ويستقلّ بوجوب التحرّز عنها العقل ، فإذا ثبت ذلك فمن أين يعلم وجود المقتضي حتّى يجب اتّباعه قبل ثبوت المانع؟ إنّما المسلّم وجود الحكم الواقعيّة المقتضية لتشريع الأحكام في نفس الأمر على كافّة المكلّفين ، أصابها
__________________
(١) المدعي هو الشيخ الاعظم الانصاري في فرائد الاصول ١ / ١١٤ وما بعدها.
