الخروج عن عهدة التكليف بكلّ طريق عقلي أو شرعي؟
ولا شكّ أنّ الأصل هو الثاني حتّى يقوم دليل على لزوم إدراك الواقع ومراعاته بالطريق الأقرب إليه فالأقرب ، ففرق بيّن بين التكليف بالاحتراز عن النجس والأمر بالاجتناب عن السمّ المهلك ، لظهور أنّ المقصود من الثاني حفظ النفس ودفع الضرر عنها ، فيجب مراعاة الواقع فيه والاحتراز عن مظانّه ومواقع الخوف منه ، لدوران الضرر فيه مدار الواقع ، سواء حصل العلم به أو لا.
وهذا بخلاف الحال في الأوّل ، وإن كان الخطاب فيه أيضا متعلّقا بالواقع ، إلّا أنّ الامتثال فيه يتحقّق بالاجتناب عن النجس المعلوم ، دون المظنون والمشكوك والموهوم ؛ إلّا أن يقوم دليل على كونه لمفسدة ذاتية في ارتكاب النجس على نحو الضرر الثابت في ذات السمّ ، فلا شبهة في أنّ قضيّة الأصل ما ذكرناه حتّى يثبت خلافه ، فتأمّل.
ومن تأمّل في تفاصيل وجوه الحكمة في خلق الإنسان وتهيئة أسباب الإطاعة والعصيان له والتكاليف الواردة عليه والوعد والوعيد وإرسال الرسل وإنزال الكتب وابتلاؤه بوجوه الحاجة إلى اجتماعه مع أبناء نوعه في المعاملات والمعاشرات وغيرها لم يبق له فيما ذكرناه شكّ وشبهة ، فلا تغفل.
قال ـ تغمّده الله تعالى برحمته ، وأسكنه بحبوحة جنّته ـ :
خامسها : في بيان أنّ الحجّة في معرفة الأحكام الشرعيّة في زمن الغيبة وانقطاع اليد من الرجوع إلى أرباب العصمة وانسداد باب العلم بالأحكام الواقعيّة هل هي ظنّ المجتهد مطلقا من أيّ طريق حصل إلّا ما قام الدليل على عدم جواز الأخذ به بخصوصه من غير فرق بين الطرق
