وكونه من ضروريات العقول ، وورد التصريح بالنّهي عن إلقاء النفس في التهلكة (١) والأمر باتّقاء مواردها (٢) في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة ، وظاهره وجوب الاحتراز عن الضرر المخوف ، وقد انعقد عليه إجماع المسلمين بل اجماع العقلاء كافّة ، فالمناقشة المذكورة غير معقولة.
الثاني : أنّ الحكم المذكور يختصّ بالامور الدنيويّة فلا يجري في غيرها ، كما عن الشيخ (٣) وابن زهرة (٤) وهو منهما أعجب شيء ، وكأنّ غرضهما من ذلك وجود طريق الأمن في الأمور الاخرويّة ، نظرا إلى ما دلّ على البراءة من العقل والنقل ، بخلاف الأمور الدنيويّة التابعة لموضوعاتها الواقعيّة من غير تعقّل تأثير للعلم والجهل فيها ، وهو إذن مناقشة في موضوع الحكم المذكور لا في أصله.
أو أنّ غرضهما من الضرر ما عرفت من المفاسد الواقعيّة الّتي يستتبعها التكاليف الإلزاميّة على مذهب العدليّة ، وهي وإن كانت حاصلة في الدنيا بمخالفتها إلّا أنّ الكاشف عنها حكم الشارع بها وآثارها ، وإنّما تظهر في الآخرة.
والغرض أنّ تلك المفاسد مع قطع النظر عن التكليف بالاحتراز عنها وترتّب العقاب على الاقتحام فيها ليست بامور يقطع العقل بوجوب الاحتراز عنها من حيث نفسها مع قطع النظر عن العلم والجهل بها على نحو المضارّ الدنيويّة ، وإنّما يستقلّ بحسن التكليف بالاحتراز عنها ، وفي جريان أصل البراءة والإباحة في موارد الظنّ القويّ بحصولها أقوى شهادة على ذلك ، لما في دعوى
__________________
(١) سورة البقرة / ١٩٥.
(٢) انظر سورتي النور / ٦٣ والأنفال / ٢٥.
(٣) العدّة ٢ / ٧٤٢ و٧٤٧.
(٤) غنية النزوع ٢ / ٣٦٣.
