والجواب عن الاوّل أنّه ليس المقصود تقييد الواقع بشرط مساعدة الطريق حتّى يلزم انتفاء الواقع حقيقة بانتفاء شرطه ، فيستلزم القول بالتصويب الّذي أجمعت الإمامية على بطلانه ؛ بل المقصود أنّ الأحكام الواقعية أمور شأنية لا تنجّز لها إلّا بشرط مساعدة الطرق المعتبرة عليها وأدائها إليها ، ومع انتفاء الشرط فهي امور ثابتة في حدّ ذاتها ، إلّا أنّه لا يعاقب المكلّف عليها ، ويعذّر في مخالفتها. ألا ترى أنّ الطرق العقليّة إذا أدّت إلى مخالفة الواقع كان اللّازم فعلا العمل بمقتضاها ، وكان الواقع على حاله ، من غير أن ينقلب إلى واقع آخر ، على ما يقوله القائل بالتصويب ، غير أنّه لا يترتّب عليه آثار التكليف من المؤاخذة على تركه واستحقاق العقاب عليه والتفسيق به ونحو ذلك ، فكذلك الحال في الطرق الشرعيّة ، فالتكليف الفعلي المنجّز الّذي يستتبع الثواب والعقاب إنّما يتعلّق بالعمل بالطرق المعتبرة ، عقليّة كانت أو شرعية ، فهو الّذي يحكم العقل بوجوبه والتحرّز عن العقوبة المترتّبة على الإخلال به ، فإن أمكن العلم به فذاك وإلّا قام الظنّ به مقامه.
نعم ، لو كان المصالح والمفاسد الواقعيّة عللا تامّة للأوامر والنواهي تعيّن في حكم العقل تحصيلها بطريق اليقين مع إمكانه ، والظنّ مع تعذّره ، لكن قد عرفت في المقدّمة الرابعة خلاف ذلك.
وعن الثاني : أنّ الطريق المنصوب وإن لم يكن مفيدا للظنّ بالواقع ، إلّا أنّ الظنّ به يستلزم الظنّ بسقوط الواقع قطعا ، فيترجّح على مجرّد الظنّ بالواقع أيضا ، لاستلزامه الظنّ بأداء التكليف المتعلّق بالطريق ، والظنّ بسقوط الواقع ، بخلاف الثاني فإنّه لا يستلزم الظنّ بسقوط التكليف المتعلّق بالطّريق أصلا.
فلا فرق بين تعاضد الظنّ بالطريق مع الظنّ بالواقع ، وبين تأيّده بالظنّ
