بقي في المقام إيراد آخر يمكن الاعتراض به على ما قرّره عمّي العلّامة طاب ثراه ـ في المقام ، وقد نبّه عليه بنفسه في جملة الإيرادات الّتي تعرض لجوابها هناك بعض التنبيه ، وهو أنّ كلّ ما دلّ على نصب الطرق المخصوصة لاستنباط الأحكام الفرعية من الإجماع والكتاب والسنّة تدلّ بعينها على نصبها لاستنباط الطرق المجعولة وساير ما اشتبه من الأحكام الأصليّة أيضا ، لجريان طريقة الأصحاب على استفادة مطلق الأحكام الشرعيّة ـ أصلية كانت أو فرعية ـ من طرق ومدارك مخصوصة ، مطبقين على نفي حجّية ما عداها ، كما نصّ عليه قدسسره في قوله : «إنّا نعلم أنّ الشارع قد قرّر في حقّنا إلى معرفة الأحكام اصولا وفروعا ولو بعد انسداد باب العلم وما في مرتبته طرق مخصوصة».
__________________
ـ الجملة ، ولا تجد أحدا يتمسّك في شيء من أحكام الدين بمجرّد الظنّ والتخمين.
أتظنّ منتميا إلى هذا المذهب يصبح مفتيا بهدر دم مسلم أو إباحة ... محصنة ، فإذا سئل عن مستنده في فتياه أسنده الى ظنّ حصل له من الرؤيا؟ وذمام العلم وحرمة الفضل لا يصدر هذا من متمسّك بحبل أهل البيت أبدا ، حتى من لاك لسانه بمطلق الظنّ.
هذا أحد أعلام الفقه ، وحامل عرش الظنّ المطلق ، الفاضل القمّي ، إذا تصفّحت كتابه «جامع الشتات» من أول الطهارة الى آخر الديات لا تجد فيه استنادا الى غير الكتاب والسنّة وما يؤول اليهما قط ، ولا ترى أقلّ اختلاف بينه وبين سائر أئمة المذهب في طريق الاستنباط.
ولقد أصاب صاحب الفصول حيث قال في أثناء كلامه : حتى أنّ القائلين بحجّية الظنّ المطلق كبعض متأخري المتأخّرين ، لا تراهم يتعدّون في مقام العمل عن هذه الأمارات الى غيرها وإن لم يستفد لهم ظنّ فعلي بمؤدّاها.
صدق ـ والله ـ وبرّ ، لا تجد غير مطعون في طريقته يترك آثار أهل البيت بغير طعن في أسانيدها ، وإجمال في متونها ، أو معارض لمؤدّياتها.
ومن ذلك كلّه يظهر لك وجه النظر فيما كرّره الشيخ الأعظم من المناقشة في الإجماع والسيرة المتقدّمين وأنهما لا يكشفان عن جهة العمل».
