يلتفت إلى الآخر» (١).
والترجيح بما ذكر معروف بين الأصحاب ، مسلّم بينهم وإن لم يصرّح به الكليني في أوّل الكافي عند ذكر المرجّحات ، إذ ليس غرضه هناك استيفاء الكلام في المرجّحات ، وإنّما غرضه التنبيه عليها في الجملة.
وأعجب شيء في المقام ما ذكره بعض المحدّثين في وجه ذلك ، من أنّه لمّا كانت أحاديث كتابه كلّها صحيحة عنده ـ كما صرّح به في غير موضع من ديباجة كتابه ـ فلا وجه للترجيح بعدالة الراوي. واحتمله صاحب الحدائق (٢) ، واحتمل أيضا أن يكون غرضه أنّ في الترجيح بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة فيه غنية عن الترجيح بعدالة الراوي.
وفساد الوجهين غنيّ عن البيان ، لأنّه إن أراد بصحّة أخبار الكتاب القطع بصدورها أجمع عنهم عليهمالسلام ـ كما زعمه بعض القاصرين ـ كان مخالفا لضرورة الوجدان ، وإن أراد القطع بوجوب العمل عليها لم يمنع ذلك من الترجيح بها ، وأمّا الاكتفاء بسائر المرجّحات فلا معنى له عند فرض انتفائها وانحصار المرجّح فيما ذكر.
ثمّ لا يذهب عليك أنّ المستفاد من المرجّح المذكور ترجيح أوثق الخبرين من الجهة الراجعة إلى صفات الراوي ، وبه يجمع بين التعبيرات المختلفة في الروايات الثلاث ، ولا دلالة فيها على الوثاقة الحاصلة من القرائن الخارجيّة ، وإلّا لاندرجت فيه المرجّحات الباقية ، إذ المراد بالأوثق في المرفوعة أوثق
__________________
(١) انظر : الفقيه ٣ / ٥ ، ح ٣٢٣٣ ـ التهذيب ٦ / ٣٠١ ، ح ٨٤٣.
(٢) احتمله صاحب الحدائق ونقله عن بعض مشايخه في الحدائق ١ / ٩٧.
