ومنعوا النّاس من التعويل عليها ، وأمروا بالإعراض عنها كما أعرضوا عن أحاديث أكثر العامّة كأبي هريرة وابن عمر وابن الزبير ومن بعدهم كقتادة والواقدي ومسروق وأضرابهم ، إلّا فيما لا يبتني عليه الأحكام ، كما في تفسير القرآن وغيره.
ألا ترى أنّ المدّعي لو جاء بشهود كثيرة من أحد الفرق المخالفة عند الحاكم لردّ شهادتهم وطالبه بإقامة الشهود من أهل الحقّ وأصحاب الحديث إذا أخذوا الحديث من الضعفاء والمجاهيل عدّد ذلك طعنا فيهم ، بل ربّما أخرجوا من كان كذلك عن بلدهم لئلّا يعتمد الناس عليهم ، ولو كانت أخبار الجماعة المذكورة بهذه المثابة لما ساقوها مساق الأدلّة ، ولصنعوا بها كما صنعوا بغيرها ، ومن هنا يظهر أنّ عمل الطائفة بها لم يكن لاقترانها بالأدلّة ، وإلّا فلا فرق.
ثمّ إنّا لمّا تتبّعنا كتب الرجال وشاهدنا سيرة أهل الاستدلال وجدنا العمل بأخبارهم والتمسّك برواياتهم طريقة مستمرّة منهم على قديم الدّهر ، يعرفها منهم كلّ مخالط لهم ناظر في تصانيفهم ، ولقد أجاد المحقّق ـ طاب ثراه ـ في قوله : «إنّ الاقتصار على سليم السند قدح في المذهب وطعن في علماء الشيعة ، إذ ما من مصنّف إلّا وقد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر المعدّل» (١).
وهو حقّ لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه ، ألا ترى أنّ شيخنا الكشي قد عدّ عبد الله بن بكير (٢) وأبان بن عثمان ممّن اجتمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عنه وتصديقه لما يقول ، وتلقّاه المتأخّرون بالقبول ، مع حكايته عن العيّاشي أنّ الأوّل
__________________
(١) المعتبر ١ / ٢٩.
(٢) اختيار معرفة الرجال ١ / ٢١٧ ، الرقم ٨٨.
