الرابع : أنّك قد عرفت أنّ في الكتاب الكريم آيات كثيرة حثّ فيها على النظر فيه والتفكر في أساليبه ومعانيه ، ليهتدوا ويتعلّموا ويعتبروا ، ووصف المحكمات بأنّهنّ أمّ الكتاب أي أصله الّذي يلجأ إليه إذا تشابهت الأمور ، ويعوّل عليه إذا أشكلت ، ويردّ عليه المتشابهات ، ومنّ علينا في مواضع كثيرة بإنزاله بلسان عربي مبين (١) ، أتراه يمتنّ عليهم بإنزاله بلغتهم وإيضاحه لهم ثمّ لا يبيح لهم الرجوع إليه؟ بل اقسم الله تعالى أنّه جعله كذلك رجاء أن يعقلوه ، ونادى بأنّه علم نجاة ودليل هداية وشاهد صدق وذكرى مذكّر وواعظ متّعظ ، إلى غير ذلك ممّا تضمّنته الآيات السابقة وما أشبهها من الآيات ، ومعلوم أنّ الظواهر إذا تعاضدت ترفّعت عن مقام الظهور ، فكيف إذا تأيّدت بتظافر السّنة وقضاء الحكمة وإجماع الامّة وسيرة صاحب الشريعة وأربابها واتّفاق المفسّرين وإطباق المتشرّعين؟ فليس التمسّك بها دوريّا ، كما لا يخفى.
الخامس : أنّه قد وردت في المقام روايات متجاوزة عن حدّ التواتر ، تدلّ على وجوب التمسّك بالكتاب العزيز وعرض الأخبار عليه والاستناد إليه.
منها : خبر الثقلين المتواتر بين الفريقين (٢).
والمناقشة بإرادة التمسّك بهما معا لا بكلّ واحد على الاستقلال ضعيفة جدّا ؛ لأنّه إن اريد التمسّك بالمجموع في كلّ مسألة ، فلا دلالة في اللّفظ عليه ، ولو دلّ لدلّ على توقّف التمسّك بالعترة أيضا على دلالة الكتاب ، فلو توقّف على الأوّل لزم الدور. على أنّه خلاف الضرورة ، فكما لا يراد هناك اشتراط الاجتماع
__________________
(١) إشارة إلى الآية ١٩٥ من سورة الشعراء.
(٢) الفصول / ٢٨٠ و ٢٧٧ ـ وانظر : الفوائد الحائرية / ٢٨٤.
