حسبما أوردنا ، وليس ذلك ترجيحا لحجيّة الجميع عند دوران الأمر بينها وبين حجيّة البعض من غير مرجّح ، بل قوله به من جهة قيام الدليل عليه ، كما عرفت [٣ / ٣٩١ ـ ٣٨٨].
أقول : وبالله التوفيق ومنه الهداية إلى سواء الطّريق :
أمّا المقدّمة الاولى فمحصّلها امتناع نفي التكاليف المجهولة بأصلى العدم والبراءة ، وإهمال الوقائع المشتبهة بترك التعرّض لامتثالها بالكليّة ، إمّا بأن يكون حال المكلّفين بالنسبة إليها كحال الأطفال والمجانين ، أو يكون حكمهم فيها البراءة والإباحة ، ويكفي في إثبات ذلك أنّ الشكّ في المسألة إن تعلّق بالماهيّات المجعولة أو الأسباب الشرعيّة ، فالأصل عدم تحقّقها وعدم ترتّب الآثار عليها ، فلا يمكن الحكم بحصولها مع الشكّ فيها.
وإن تعلّق بالتكاليف الابتدائيّة ، فالعلم الإجمالي بثبوتها في الجملة يوجب إلحاقها بالمشتبه المحصور ، فإنّ مواردها وإن كانت غير محصورة إلّا أنّ القدر المعلوم على الإجمال منها أيضا امور كثيرة مشتبهة بينها ، فيكون من قبيل اشتباه الكثير بين الكثير ، وهو من المحصور ، وقد تقرّر في محلّه عدم جريان أصل البراءة في مثله ، لاختصاص أدلّتها بغير هذه الصورة ، إنّما موردها الشكّ في أصل التكليف دون الشكّ في تعيينه.
وما قيل (١) من أنّ اعتبارها من باب الظنّ ، فينتفي مع وجود أمارات الظنّ المطلق ليس بشىء ، بل هي مبنيّة على حكم العقل بقبح التكليف قبل البيان ،
__________________
(١) القائل هو المحقّق القمّي في القوانين ١ / ٤٢٢.
