المثال المذكورة وغيره ـ فلا معنى لترجيح أحد المتساويين في نظر العقل على الآخر ، وقد سبق التنبيه على ذلك ، فلا تغفل.
فإن قلت : إنّ المظنون بالنظر إلى المشكوك لا ينفكّ عن الرجحان ، فما ذكر مجرّد فرض لا تحقّق له.
قلت : إن كان الواقع مطلوبا للشارع في جميع الأحوال كان الحال كما ذكر وليس كلام ، ويشهد به ملاحظة الحال في الموضوعات مع ندرة اتّفاق الإصابة في طرقها ، ومن تأمّل في الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظنّ يكاد يقطع بسقوط العبرة به في نظر الشارع ، فلا مانع من مساواته لغيره من الطرق المشكوكة في نظر الشارع ، وبعد تساويهما في احتمال الطريقة والاعتبار يمتنع ترجيح الأوّل في مقام الفتوى والعمل ، فإن أمكن التوقّف والسكوت كان هو القدر المتيقّن وإلّا فلا مناص عن القول بالتخيير.
الرابع : إنّك قد عرفت في أدلّة الظنون المخصوصة حجيّة الظنّ المتعلّق بسند الأخبار المعتبرة إذا أفاد الوثوق وسكون النفس ، والظنّ المتعلّق بدلالة الألفاظ من حيث اللغة والعرف والقرينة والانصراف مع حصول الاطمينان ، والظنّ المتعلّق بترجيح أحد المتعارضين على الآخر.
فهذه أقسام ثلاثة من الظنون المتعلّقة بالواقع قد ثبت اعتبارها في الشريعة ، فكلّما يوجب حصولها من الظنون الرجاليّة واللغويّة والعرفيّة والأمارات الخارجيّة حجّة من حيث إيصالها إليها ، ومتى تطرّق الوهن إليها ومنع من تحقّق القدر المعتبر فيها خرجت عن الاعتبار وإن كان ناشئا من الظنون المطلقة ، وسنشير إن شاء الله تعالى.
ومن الظنون التي يجوز العمل عليها في الجملة ما يتعلّق منها بمسائل
