حرصهم على السؤال عن جزئيّات الأحكام ؛ وليس ذلك إلّا لكونه أمرا مركوزا في أذهانهم لا يعتريه شائبة الشكّ والشبهة عندهم ، وإنّما تكرّر السؤال عن وثاقة عدّة من الرواة وعن علاج المتعارضات ، نظرا إلى كون أصل الحكم عندهم من المسلّمات.
ألا ترى أنّ الشيعة بعد زمن المشايخ الثلاثة إنّما كان معوّلهم في معظم أحكام الشريعة على الكتب الأربعة ونحوها ، وعمل من قبلهم على الاصول الأربعمائة ، مع أنّ أكثرها أخبار آحاد لا يفيد اليقين ، وقول بعض الأخباريّين (١) بقطعيتها ضلال مبين ، وقد جرت طريقتهم على نحو ذلك في مدّة تزيد على مأتي عام ، وأئمّة الهدى عليهمالسلام بين أظهرهم ، وكان أقصى همهم التفتيش عن عدالة الراوى ، فإذا أصابوا ذلك لم يتوقّفوا إلّا لعارض أو مانع ، فيرجعون في ذلك إلى الإمام عليهالسلام.
وقد أطال الشيخ في العدّة كلامه في بيان الوجوه الدالة على ذلك ، فليرجع إلى كتابه ، فإنّه بلغ في ذلك الغاية ، حتّى قال : «إنّ من ادعى القرائن في جميع المسائل الّتي استعمل الأصحاب فيها أخبار الآحاد كان معوّلا على ما يعلم ضرورة خلافه ، مدافعا لما يعلم من نفسه ضدّه ونقيضه» (٢).
وقد اشتهر الإجماع الّذي نقله شيخنا الكشّي على تصحيح ما يصحّ عن جماعة معروفين بين أصحابنا ، وتلقّوه بالقبول مع وضوح عدم كونهم معصومين
__________________
(١) نحو الشيخ حسين الكركي في هداية الأبرار / ١٧ ، المحدث البحراني في الحدائق ١ / ٢٥ والمحدّث العاملي في الوسائل ١٨ / ٥٢ و٧٥.
(٢) عدة الاصول ١ / ١٣٦.
