ومن المتأخّرين (١) من فصّل في مسألة التجرّي بين صورة القطع بتحريم واجب غير مشروط بالقربة ، أو بتحريم غيره من المكروه الواقعي أو المباح أو المندوب ، أو بتحريم الحرام الواقعي ؛ فرجّح استحقاق العقاب في الثاني بفعله على اختلافه شدّة وضعفا بالترتيب المذكور ، بل اختلافه بحسب اختلاف أفرادها في الشدّة والضعف أيضا ، وتعدّد مقتضي العقاب في الثالث ، إلّا أنّه حكم بتداخلهما ونفى العقاب في الأوّل ، نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهرية ، فإنّ قبح التجرّي ليس ذاتيا بل يختلف بالوجوه والاعتبارات فمن. اعتقد في حقّ المؤمن بل النبيّ والوصيّ أنّه كافر واجب القتل ولم يقتله فإنّه لا يستحقّ الذمّ عقلا عند من انكشف له الواقع ، وإن كان معذورا لو فعل ؛ كما لو أمر المولى عبده بقتل عدوّه فصادف ابنه وزعمه عدوّه ولم يقتله ، فلا شكّ أنّه لا يعاقبه على هذا التجرّي.
وأنت خبير بضعف الكلام المذكور ، لأنّ التجرّي فى حدّ ذاته أمر قبيح لا يمكن اتّصافه بالحسن بوجه من الوجوه ، كما أنّ الانقياد حسن لا يمكن أن يعرضه القبح.
غاية الأمر اختلاف الإثم المترتّب عليه باختلاف الإصابة وعدمها ، كاختلاف المصيب والمخطئ في ساير المقامات ، وليس ذلك مغايرا للإتيان بالحرام حتّى يختلف جهة الاستحقاق ويحكم بالتداخل من غير دليل ، بل هو عين الإقدام على العصيان ، وما ذكر في حقّ المولى والعبد لا ربط له بالمقام ، لأنّ الغرض الأصليّ هناك غالبا هو الفوائد العائدة إليه ودفع المضارّ الراجعة إليه ، وقد
__________________
(١) هو العلّامة الشيخ محمّد حسين الاصفهاني الحائري ، راجع : الفصول الغرويّة / ٤٣٢ ـ ٤٣١.
