في آن واحد مع عدم سقوط الدليل بذلك عن الحجّية ، والقول بأنّ قيام الدليل على عدم حجّية تلك الوجوه قاض بعدم حصول الظنّ منها كما يستفاد من بعض الأجلّة ممّا لا يعقل وجهه. [ج ٣ ص ٣٢١ ـ ٣١٧]
أقول : إنّ شرح هذا الكلام ظاهر لمن تدبّره ، ومحصوله أنّ الظنّ بالحكم الواقعي من حيث هو ليس من الحجّة الشرعيّة ليدور الأمر في الأدلّة الشّرعية مداره ، وإنّما الحجّة هى مداليل الخطابات الشرعيّة ، ومفاهيم النصوص الواردة في الكتاب والسنّة ، وظواهر الأخبار المعتبرة ، على حسب ما دلّت عليه الادلّة الدّالّة على حجيّتها من الآيات والروايات المتكاثرة بل المتواترة في المعنى ، والإجماع المعلوم من طريقة القوم ، كما فصّل في محلّه. ومن المعلوم أنّ شيئا من ذلك لا يدلّ على إناطة الحجيّة في شيء من ذلك بإفادة الظنّ بالواقع ، كما هو الحال في الطرق المقرّرة لمعرفة الموضوعات ، كالأقارير والبيّنات وما أشبههما. ومع حصول المعارضة بينهما يرجع إلى ما كان بالترجيح أحرى ، على ما تقرّر في موضعه ، فالمتّبع هو الدليل دون مجرّد المظنّة.
وتوهّم انصراف تلك الأدلّة إلى حجيّة ما أفاد المظنة وهم فاحش ، لأنّ أسباب الشكّ غالبة ، ومع وجودها لا يحصل الظنّ من الأدلّة ، فكيف يسوغ الإعراض عن الدليل لبعض موجبات الشكّ؟ فليس فرض الشكّ نادرا ليمكن دعوى انصراف إطلاقات الأدلّة ، مع أنّ مجرّد ندرة الوجود لا يكفي في دعوى الانصراف ، كما تقرّر في محلّه. وفي إمعان النظر في طريقة القوم في موارد الاحتجاج كفاية لمن نظر ، فتدبّر.
