الغرض الاستفتاء في حكم الواقعة ، فقدّم عليهالسلام فتوى أوثقهما ، ثمّ طرح فتواهما جميعا والأمر بالنظر في حديثهما.
فما يقال : إنّ الرجوع إلى تلك الوجوه بين الفتاوى أيضا غير معهود بين الأصحاب (١) واضح الجواب ، إذ الترجيح الأوّل مشهور بينهم ، والباقي ترجيح بين الأخبار المعمول عليها بين العوامّ أيضا في الصدر الأوّل ، إنّما لا يمكن رجوع العوامّ إليها في الأعصار المتأخّرة ، والغالب في العصر السابق هو الروايات ؛ وربّما يحمل القاضي هناك على قاضي التحكيم ، فلا يلزم المتحاكمين حكمه في الجملة ، وهو كما ترى ، كيف وقد ورد ذلك بعد التصريح بنصب الحاكم العامّ!
ويمكن إبقاء الرواية على ظاهرها ، إذ كما يجب الترجيح بين الخبرين كذا يجب بين الحكمين المتناقضين إذا صدر كلّ منهما من أهله في محلّه ، والترجيح في المقام وظيفة المتخاصمين إن أمكنهما ذلك وارتفع الخصومة به ، وإلّا لزمهما الرّجوع إلى الثالث ويكون النظر في الترجيح بين الحكمين موكولا إليه ، وبه يفصل الخصومة ويرتفع الخلاف الحادث ، فيدلّ بسياقه وفحواه على جواز الترجيح بين الخبرين في غير ذلك المقام أيضا.
ويمكن أن يقال أيضا : إنّه عليهالسلام قد بيّن الوجوه المعتبرة في ترجيح الخبرين المتعارضين ليفهم منها الوجه في ترجيح الحكمين المستندين إليهما ، إلّا أنّه في الوجه الأوّل منها ذكر ترجيح الحكمين على وجه دلّ على ترجيح الخبرين به. وبالجملة ، فدلالته على ثبوت الترجيح بتلك الوجوه بين الأخبار واضحة ، وقد فهمه الأصحاب أيضا ، وذلك كاف فيما قصدناه.
__________________
(١) لمزيد البيان انظر : نهاية الدراية ٣ / ٤٧٦ ـ ٤٧٥.
