الدليل القاطع على تحريم العمل ببعض الظنون ، فإنّما يدلّ ذلك على حجّية الظنّ الّذي لم يقم على عدم حجيته دليل ، وإنّما يرد الإشكال في غير ذلك من بعض أدلة القوم ، وفيه دلالة على فساده وتوقّفه على ضمّ مقدمات دليل الانسداد إليه ، فارتفع الإشكال بحذافيره.
وأعترض بعض مشايخنا المعاصرين (١) على المصنّف قدسسره بما حاصله إنّ العقل إن قضي بقبح الاكتفاء بما دون الامتثال العلمي ـ حال الانفتاح ـ والظنّي ـ حال الانسداد ـ فكيف جاز التخصيص فيه؟ وليس الغرض الإشكال في حصول البراءة حال الانفتاح بالعمل ببعض الظنون عند ثبوت الأمر به وعدمها حال الانسداد عند ثبوت النهي عنه ، إنّما الإشكال في جواز الأمر والنهي المفروضين عند تقبيح العقل لهما ، نظرا إلى منافاتهما لما هو الغرض في جعل الواقع ، إذ ليس حال الظنّ عند انسداد سبيل العلم إلّا ما هو الحال في العلم عند انفتاح سبيله ، فاذا امتنع المنع من العمل بالعلم في بعض المقامات امتنع مثله في الظنّ ، ومن المعلوم أنّ دليل الانسداد إنّما يقضي بحكم العقل بقيام الظنّ مقام العلم وقبح الاكتفاء بما دونه عند انسداد العلم ، وحينئذ فينحصر الوجه في صحّة الأمر والنهي المفروضين في أحد وجهين ؛
أحدهما : أن يكون الظنّ المفروض حال الانفتاح في علم الشارع غالب الموافقة للواقع ، كموافقة علم المكلّف له ؛ واتّفاق المخالفة في الظنّ المفروض على حسب اتّفاق المخالفة في علم المكلّف ، فلا يكون الحال فيه بأدون من العلم
__________________
(١) وهو الشيخ الانصاري في فرائد الأصول ١ / ٥٢٨ ـ ٥٢٦. وانظر : فوائد الاصول ٤ / ٦٠٣ ، عناية الاصول ٣ / ٣٦٨ ـ ٣٦٧.
