التكليف.
ألا ترى أنّ المولى قد يكلّف عبده بتكاليف كثيرة من غير أن يجعل له إلى معرفتها طريقا بخصوصه؟ وكذلك الحال في الموكّل والموصي والواقف وأمثالهم بالنّسبة إلى الوكيل والوصيّ والناظر ، وبالنسبة إلى كلّ مطيع ومطاع ، كالسلطان ورعيّته والمجتهد ومقلّده ، إلى غير ذلك.
وإنّما اللازم في باب التكاليف وجود الطريق العقلي ، وهو الّذي يحكم العقل بالاكتفاء به وقبح المؤاخذة عليه وعدم جواز العدول عنه ، أو استقرّت طريقة العقلاء على العمل به والجري على مقتضاه بحيث يلزم على الآمر عند عدم رضائه بذلك تنبيه المكلّف عليه.
فالفرق بين الأمرين أنّ الأوّل لا يقبل المنع عنه ، والثاني يمكن المنع عنه بشرط إبلاغه إلى المكلّف وإعلامه بذلك ، فيجوز للمكلّف سلوكه ما لم يصل إليه منع الآمر عنه ، بل يجب عليه ذلك.
فظهر أنّ الطرق المعتبرة على قسمين ؛ أحدهما : الطريق المعتبر في نفسه ممّا حكم به العقل ، أو جرت عليه طريقة العقلاء.
والآخر : الطريق المجعول الّذي نصبه الآمر للمكلّف ممّا لا مجال للعقل إلى معرفته ، فيكون على حسب جعله ، من حيث الشرائط والموانع ، ومن حيث الإطلاق والتقييد.
وحينئذ فنقول : إنّ الحال في الأحكام الشّرعية يتصوّر على وجوه ؛
أحدها : أن يعلم بأنّ الشّارع قد نصب للمكلّفين إلى معرفتها طرقا مخصوصة مجعولة مشروطة بشرائط عديدة ، قد أمر بسلوكها ونهى عن التخلّف عنها.
