أمّا إذا فرض مثلا دوران الطريق في المسألة الواحدة بين الأصلين المذكورين ، وتعذّر تعيينه بطريق اليقين ، وثبت لزوم البناء على أحدهما ، وحصل الظنّ بتعيين أحدهما ولزوم الفتوى به وترتّب العقاب على خلافه ، بل وعلى السكوت عنه ، لم يجز العدول عنه إلى الطريق الموهوم.
نعم ، إن أمكن السكوت وجب ، وكان السكوت إذن هو الطريق المعلوم لعمل المفتي ، فخرج أيضا عن الفرض ، فتأمّل.
وحيث إنّ عمّى العلّامة طاب ثراه ـ إنّما ذهب في هذه المسألة إلى حجّية مطلق الظنّ بالطريق الواقعي احتاج في إخراج القياس وشبهه إلى بعض الوجوه السابقة ، وتوجّهت عليه عدّة من الاعتراضات الواردة الّتي منها الترجيح بالوجوه المذكورة ، فاحتاج في التفصّي عنها إلى وجوه من التكلّف.
ولعمري إنّه جنح إلى الصواب ، لكنّه أخطا الطريق حتّى وقع في المضيق ، وسلك مسلك القائلين بالظنّ المطلق ، وخصّه بمباحث الاصول من غير مخصّص ، ورجّحه على الظنّ بالفروع من غير مرجّح ، وفتح على نفسه باب الاعتراض ، وجعل نفسه غرضا لسهام النقض والإبرام ، حتّى طعن عليه من تأخّر عنه بأكثر ممّا أورده على القول بالظنّ المطلق ، وإن أخطئوا في بعض ما أوردوا عليه فقد أصابوا في غيره ، فلم ينفعه التخصيص بالطريق بوجه من الوجوه.
وإنّما تكلّف في الجواب عن بعضها تكلّفا شديدا وتعسّف تعسّفا باردا ، مثل ما أجاب به عن الترجيح بالوجه الثاني حيث قال : «إنّ كون الظنّ المظنون حجّيته أقوى مع كونه على إطلاقه ممنوع لاختلاف مراتب الظنّ ، لا يقتضي منع حجّية الأضعف ، وإلّا لوجب الاقتصار على أقوى مراتب الظنون ، وهو واضح الفساد ؛ بل العبرة في الحجّية بمجرّد الظنّ بها ، إذ لا يحصل به في نظر العقل
