وعدم الاعتناء بشيء من الشكوك والشبهات الّتي اشير إليها في الوجوه السابقة ، ما لم يصرف عنها صارف أو يمنع عن العمل بها مانع ، فلا تغفل.
ومنها : عدم ظهور المانع من التمسّك بتلك الظواهر ، ويكفى في المانع علمنا إجمالا بأنّ كثيرا من ظواهر الخطابات الشرعيّة قد اريد بها خلافها ، إمّا بطريق التجوّز ، أو التخصيص ، أو التقييد ، أو التقيّة ، أو غيرها. ولا سبيل لنا غالبا إلى تحصيل العلم بسلامة ما نعمل به منها عن ذلك إلّا بالطرق الظنيّة ، وقد اعتمد على هذا الوجه عمّي قدسسره في فصوله على ما تقدّم ذكره ، قال : «ولو لا ذلك لما جاز لنا تقييد شيء منها ولا تخصيصه ولا تأويله بشيء من أخبار الآحاد الّتي حجيّتها عندنا في المرتبة الثانية ، إذ مع إمكان العلم وما في مرتبته لا سبيل إلى التمسّك بما يبتني حجّيته على انتفاء الأمرين» (١) ، انتهى.
وقد اشير إلى الوجه المذكور في أخبار كثيرة تدلّ على أنّ في الكتاب والسنّة عامّا وخاصّا ، ومطلقا ومقيّدا ، وناسخا ومنسوخا ، ومحكما ومتشابها ونحو ذلك ، وأنّه لا يجوز التمسّك بها قبل تمييز تلك الوجوه ، وجملة منها وإن اختصّت بالكتاب إلّا أنّ جهة المنع جارية في السنّة أيضا ؛
ففي الكافي في احتجاج الصادق عليهالسلام على الصوفية حين احتجّوا عليه بآيات من القرآن قال : ألكم علم بناسخ القرآن ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه الّذي في مثله ضلّ من ضلّ ، وهلك من هلك من هذه الامّة؟ قالوا : أمّا كلّه فلا ، فقال لهم : فمن هنا اتيتم ، وكذلك أحاديث رسول الله صلىاللهعليهوآله ـ إلى أن قال ـ فبئس ما ذهبتم إليه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله وسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله وأحاديثه الّتي
__________________
(١) الفصول / ٢٨٩.
