يفهم من ذلك سوى إناطة المنع بمطلق الظنّ ، وأين ذلك من الظنون المخصوصة الّتي يعامل معها معاملة اليقين في جميع الملل والأديان؟ بل في جميع الأمور الدائرة بين العقلاء ، حتّى لا يكاد يفرق بينها وبين العلم اليقيني في شيء من المقامات.
وظنّي أنّ الباعث على عدم التعرّض لهذه المسألة في كتب القدماء وأكثر المتأخّرين بلوغ الحكم فيها بحسب الوضوح والظهور حدّا يستغني عن التصريح والبيان ، ونحن نقطع أنّ أحدا من الطائفة قبل ظهور هذا الخلاف لا يستجيز التمسك في الأحكام الشّرعية بمجرّد الظنّ بما هو الظنّ ، إنّما يستدلّون بالظواهر اللّفظية والاصول العمليّة ونحوها.
وما يوجد في كلامهم في مقام الإفتاء من التعبير بالأظهر والظاهر والأقوى والأشبه والأرجح ونحوها فإنّما هو بحسب تلك الظواهر والاصول والترجيحات المعمولة في مقام المعارضة ، ولا يكشف ذلك عن إناطة الحكم عندهم بمجرّد المظنّة ، ألا ترى أنّ الكليني قدسسره قد صرّح في أوّل الكافي بأنّ «الشرط من الله [جلّ ذكره] فيما استعبد به خلقه أن يؤدّوا جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة» (١).
والصدوق قد نصّ في العلل عند ذكر حديث موسى مع الخضر ـ على نبيّنا وآله وعليهماالسلام ـ على أنّه إذا لم يصلح للاختيار مع فضله ومحلّه فكيف يصلح الأمّة لاختيار الإمام؟ وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعيّة واستخراجها بعقولهم الناقصة؟» (٢)
__________________
(١) الكافي ١ / ٦.
(٢) علل الشرائع ١ / ٦٣.
