ألا ترى الفرق الواضح بين العلم بوجود السم في أحد إناءين أو واحد من ألفي إناء؟ وكذلك بين قذف أحد الشخصين لا بعينه وبين قذف واحد من أهل البلد؟ فإن الشخصين كليهما يتأثران بالأول ولا يتأثر
__________________
الاحتياط مستلزم لنحو من المشقة والمشاكل التي هي محذور يزاحم به الضرر المعلوم بالإجمال ، ولا مجال لذلك في ضرر العقاب ، لأهميته الموجبة لتحمل أعظم المشاكل في سبيل الخلاص منه.
مع أنه لو فرض تجويز العقل الإقدام عليه فهو لا يقتضي الأمان منه ، ولا يكون عذرا رافعا لأثر البيان ومصححا لجريان البراءة مع فرض العلم الإجمالي ، إذ العقل إنما يجوز فرضا الإقدام على الضرر ، ولا يحكم بعدم الضرر ، كما هو الحال في الأضرار التكوينية التي أشار اليها المصنف قدس سرّه فلا يصلح ذلك المنع من العقاب حتى تجري البراءة. ولذا قلنا إن دفع الضرر مما يسعى له من يريد الأمان لنفسه ولو لم نقل بالتحسين والتنقيح العقليين ، كما سبق في الدليل العقلي الأول لحجية مطلق الظن.
الثاني : أن كثرة الأطراف تمنع من منجزية العلم الإجمالي ابتداء ، ومع عدم تنجز التكليف الواقعي بقبح العقاب عليه ، لعدم البيان ، الذي لا يراد به إلا المنجز ، فلا موضوع معه لقاعدة وجوب دفع الضرر ، لعدم الضرر ، لا لضعف احتماله ، وحينئذ لا مجال لشيء من الإشكالات السابقة.
وفيه : أن حجية العلم الإجمالي كسائر أفراد العلم ذاتية وجدانية ، من دون فرق بين كثرة الأطراف وقلتها ، وإنكارها إنكار للوجدان يتعذر معه إقامة البرهان.
ثم إن مقتضى ذكر المصنف قدس سرّه للمقدمة العلمية ولقاعدة دفع الضرر المحتمل ولضعف الاحتمال وتنظيره بمثال السم المشتبه بين أطراف كثيرة إرادة الوجه الأول ، ومقتضى بعض التفريعات التي ذكرها ـ مثل ما يأتي في التنبيه الاول ـ إرادة الوجه الثاني. فتأمل جيدا.
![التنقيح [ ج ٣ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4669_altanqih-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
