الشرع ، من غير أن يتوقّف على إقامة الدليل عليه من غيره ، وإنّما الموقوف على الدليل حجّية ظواهرها المستندة إلى الاصول اللفظيّة والقواعد المقرّرة في مباحث الألفاظ ؛ وحجيّة المنقول من السنّة بطريق الآحاد وكذلك الإجماع الكاشف قطعا عن الواقع حجّة برأسه مستغن في ذلك عن إقامة الدليل عليه ، وإنّما الكلام في طريق كشفه عن ذلك وفي المنقول منه بطريق الآحاد. وهكذا العقل المستقلّ بإدراك الحكم من غير توسّط الشرع دليل برأسه غير متفرّع على غيره.
فاصول هذه الأدلّة امور مستقلّة في نفسها ، لا رجوع لبعضها إلى بعض ، وإنّما يرجع إلى ذلك المباحث المتعلّقة بها ، ورجوع الجميع إلى حكم العقل غير ما هو المقصود من دليل العقل الّذي عدّ من الأربعة ، فإنّ المعدود فيها هو العقل المستقلّ بإدراك الحكم من غير توسّط النقل ، فلا يرجع إليه وإن أثبتنا الملازمة بين الحكمين بدليل آخر ، فإنّ العقل إن استقلّ بإدراك حكم الشرع ابتداء فلا توقّف له على أمر آخر ، وإلّا توقّف إدراكه على إدراك الملازمة ، فهو حينئذ من مقدّمات إدراكه لحكم الشرع وجزمه به ، أمّا بعد إدراكه فلا سبيل إلى إرجاعه إلى دليل آخر ، إذ ليس وراء ذلك شيء وإلّا لدار أو تسلسل.
وأمّا سائر ما ذكر من الأدلّة ونحوها فهي راجعة لا محالة إلى أحد الأربعة المذكورة ، وما لا رجوع له إلى شيء منها ليس بحجّة ، فإنّ القائل بالظنّ المطلق إنّما يستند في قوله إلى إدراك العقل وحكمه به ، والقائل بالظنون المخصوصة إنّما يرجع فيها إلى أدلّة مخصوصة راجعة إلى إدراك العقل أو حكم النصّ أو الإجماع ، فلا تخرج عنها.
وأمّا الأصول العمليّة فهي معدودة من الأدلّة العقليّة وإن استندوا في إثباتها
