الجنس متقوّما بأحد الفصلين في الواقع ، وإنّما وقع الشكّ في تعيينه المعتبر وفعليّته وتعلّقه ، فنفي أحدهما بالأصل الّذي هو في معنى إثبات الأمر به طريق إلى تعيين ما يتقوّم به الجنس ، لا رفع لما تقوّم به في الواقع.
قال : ومن هذا البيان يظهر أنّ الاستحباب الثابت في المقام حكم ظاهري لا مفلّق منه ومن الواقعي ، وفيه نظر ، فإنّ كلّا من الوجوب والاستحباب تكليف خاصّ بسيط مشكوك فيه مدفوع بالأصل وإن انحلّ إلى جزءين أو أجزاء ، فنفي المنع من الترك بالأصل لا يفيد ثبوت الثاني إلّا بطريق الأصل المثبت (١).
وقد تقرّر في محلّه عدم حجيّته ، فالصواب في ذلك ما أفاده المصنّف قدسسره من إثبات القدر المشترك بالإجماع وغيره ونفي المنع من الترك بالأصل فيتمّ بذلك معنى الاستحباب ، ويشكل بأنّ المأخوذ في معنى الاستحباب تجويز الترك ، وأصل البراءة لا يفيد ثبوته ، إنّما يفيد نفي المؤاخذة والعقاب عليه ، ومجرّد ذلك لا يقضي بتحقّق معنى الاستحباب ، وذلك أنّ الأصل ليس بناظر إلى الواقع أصلا ، ولا يفيد تعيين الحكم الحاصل في نفس الأمر حتّى يدلّ على ثبوت الفصل الآخر الّذي يتقوّم به الجنس ، إنّما مفاده أنّه على تقدير وجوب الفعل بحسب الواقع لا يعاقب عليه قبل إقامة الدليل عليه ، وذلك بمجرّده ليس فصلا لحكم الاستحباب على الحقيقة وإن جرى مجراه وآثر أثره ، إذ الحكم الاستحبابي أيضا تكليف مخصوص مشكوك فيه مندفع بالأصل ، فالحكمان المذكوران أمران وجوديّان مخالفان للأصل ، إلّا أنّ العلم الإجمالي بثبوت أحدهما مانع من إجراء الأصل فيهما معا ، وإثبات أحدهما بنفي الآخر معارض
__________________
(١) الفصول / ٢٨٣.
