المقامات ، وصوم الدّهر عدا ما استثنى ، وإحياء عامّة الليالي ، والمشى إلى الحجّ والزيارات ـ أو آجر نفسه للقيام بأعمال شاقّة ونحو ذلك لم يمنع تعسّر تلك الأعمال من انعقاد نذره ووجوب الوفاء بعقده ، لأنّه هو الّذي أدخل ضرر المشقّة على نفسه باختياره ، فإنّ الصادر عن الشارع إنّما هو الإذن في الالتزام المذكور ، وليس في مجرّد الإذن في ذلك شيء من الحرج ، فكذا في المقام بطريق أولى ، فإنّ المكلّفين هم الّذين أدخلوا ضرر تلك المشقّة على أبناء نوعهم من دون صدور إذن من الشارع في ذلك.
ويرد عليه : أنّ جميع ما دلّ على نفي الحرج وإرادة اليسر يعمّ الوجهين ، فإنّ إلزام المكلّف بأداء الواقع على ما هو عليه حال اشتباهه في امور كثيرة على وجه يستلزم الجمع بينها ولو بحكم العقل والعادة مع تعسّر الإتيان بجميعها جعل للحرج وإيقاع للمكلّف في المشقّة ، سواء استند الاشتباه إلى أسباب اختياريّة من غير ذلك المكلّف أو غير اختيارية ، بل وإن استند إلى ذلك المكلّف بنفسه ، فإنّ جعل اختيار المكلّف باعثا على إلزامه بالمشقّة ينافي نفي الحرج على الإطلاق.
ولئن أمكن التأمّل في شمول ما دلّ على نفي جعل الحرج في الدين فلا شكّ في شمول قوله سبحانه : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(١) ، وما أشبه ذلك للوجوه المذكورة ، ولا سيّما الحرج المؤدّي إلى اختلال النظام.
والقول بوجوب الأمور المتعسّرة بالالتزام أو بغيره من الأسباب الاختياريّة في محلّ المنع ، مع إمكان التفصيل بينهما من حيث أنّ الأوّل إمضاء من الشّارع لما ألزمه المكلّف على نفسه ، والثاني تأسيس من الشارع للحكم
__________________
(١) سورة البقرة / ١٨٥.
