وقد يجاب بأن العلم الإجمالي بوجود عدّة من التكاليف الحتميّة في أحد المقامين أو أبعاضهما كاف في المنع من التمسّك بالأصل في كلّ منهما ، فلا بدّ من الأخذ بالاحتياط في الجميع أو تركه في الجميع ، إذ التفصيل مع ذلك تحكّم وترجيح من غير مرجّح.
وجوابه ظاهر ؛
أمّا أوّلا : فلأنّ الشكّ الحاصل في المقام الثاني ليس من قبيل الشك في التكليف ، بل هو من الشكّ في المكلّف به ، إذ التكليف المتعلّق بالأجزاء والشرائط تكليف غيريّ تبعيّ ، والمعتبر في إجراء الأصل هو التكاليف المستقلّة عند الشّك فيها فيختصّ بالمقام الأوّل.
وأمّا ثانيا : فلأنّ التفصيل بين المقامين لا يستلزم الترجيح من غير مرجّح ، لوضوح المرجّح في المقام ، إذ المستفاد من كلام معظم الأصحاب وطريقتهم في أبواب الفقه هو البناء على الأصل في المقام الأوّل والاحتياط في الثاني ، فالإجماع على نفي كلّ منهما على الاطلاق لا ينافي العمل بكلّ منهما في الجملة ، وذهاب الأكثر كاف في الترجيح ، لحصول الرجحان المطلوبة فيه بمجرّده من غير أن يتوقّف على إثبات متعلّقه بالدليل.
وأمّا ثالثا : فلأنّه بعد البناء على الاحتياط في المقام الثاني على حسب ما يقتضيه الأصل المقرّر فيه من اقتضاء القطع بالاشتغال للقطع بالفراغ المتوقّف عليه لا يبقى هناك علم بالتكليف حتّى يقتضي الرجوع إلى الاحتياط في المقام الأوّل ، فهناك علم خاصّ بثبوت التكليف في المقام الثاني خاصّة ، وعلم بثبوت التكليف في القدر المشترك بين المقامين ، فإذا قضى الأوّل بالرجوع إلى الاحتياط في جميع موارد الثاني كان الأخذ به قاضيا بانتفاء الثاني ، فلا يبقى علّة
