نعم ، قد وقع الخلاف بين الامّة ، وحصل الاختلاف في الأخبار العلاجيّة عند تعادل الأدلّة في بقائها على الحجيّة أو تساقطها وسقوطها عن الاعتبار بالكلّيّة ، فغاية الأمر عدم الرجوع إلى الظنّ في تلك المسألة الخاصّة إن لم يقم عندنا دليل على بقائها على الحجيّة ، فيكون إذن من شرائط حجيّتها عدم معارضتها بما يعادلها ، وذلك خروج عن مفروض المسألة ، فيرجع في مواردها إلى الاصول العمليّة ، كسائر الموارد الّتي يتعذّر فيها إقامة الأدلّة ، ولا يلزم هناك محذور في العمل عليها ، لندرة مواردها بالنسبة إلى غيرها ، وإنّما نقول بالانتقال إلى الظنّ عند بقاء الأدلّة على اعتبارها ولزوم العمل عليها في تلك الحال.
الوجه الثاني : أنّ كلّ واحد من الأدلّة المتعارضة بعد ثبوت اعتبارها وحجيّتها مطلقا بما تقدّم من الأدلّة يستدعى العمل على حسبه ، وحيث تعذّر العمل بجميعها وجب العمل ببعضها ، إذ لا يلزم من تزاحم الحقوق الثابتة سقوطها بالكلّيّة ، فإذا تعادلت الأمارات وتساوت من جميع الجهات فإن ثبت بقاء اعتبارها في تلك الحال ولزوم العمل ببعضها في ذلك المجال حكم العقل بالتخيير ، لامتناع الترجيح من غير مرجّح ، ومنافاة رفع اليد عن الجميع للفرض المذكور ، وإنّما الخلاف في التخيير والتساقط يرجع إلى تسليم الفرض المذكور ومنعه ، فلا خلاف بعد تسليمه وإلّا لزم رفع اليد عن جميعها والرجوع إلى الاصول المقرّرة في مواردها ، إذ كما أنّ الأصل في كلّ طريق يشكّ في اعتباره من أصله عدم حجيّته بما تقدّم من الأدلّة الدالّة عليه ، كذلك الأصل في كلّ طريق ثبت حجيّته في الجملة أن يقتصر في الحكم باعتباره على القدر الثابت منه ، ولا يكفي استصحاب بقائه على الحجيّة الثابتة له قبل حصول المعارض ، لعدم الدليل على حجيّة الاستصحاب في أمثال ذلك على ما تقرّر في محلّه.
